العطر الذي فاحت منه رائحة الكرامة..!
رغدان الخزعلي ||

في إحدى زياراتي إلى مدينة الموصل، مدينة الحدباء التي ما زالت تنهض بكبرياء رغم كل ما مرت به من محن، كنت برفقة الأستاذ الإعلامي القدير علي الحاج والأخ عبير أبو أمير. كنا مدعوين من أحد وجهاء وزعماء السادة النعيم إلى مأدبة عشاء في أحد مطاعم كورنيش الموصل.
كان المكان هادئاً، والحديث يدور بيننا حول أحوال الناس والمدينة وما شهدته من تحولات. وبينما نحن جلوس، اقترب منا طفل لا يتجاوز عمره الثانية عشرة. كان يحمل مجموعة من قناني العطر الصغيرة يعرضها على رواد المطعم.
لفت انتباهي جمال ملامحه وحسن أخلاقه وطريقة حديثه المهذبة. سألنا بلطف إن كنا نرغب بشراء شيء من العطور. في تلك اللحظة، ومن دون تفكير عميق، أخرجت مبلغاً من المال وأعطيته إياه، ظناً مني أنني أساعد طفلاً محتاجاً.
لكن ما حدث بعدها لم أكن أتوقعه أبداً.
نظر إليّ الطفل بعينين امتلأتا بالدموع، ثم انفجر بالبكاء وقال بصوت امتزج فيه الألم بالكرامة: “متى تفهمون أنني لست متسولاً؟ أنا أبيع بشرف.”
أعاد المال وغادر مبتعداً عنا، ثم جلس في مكان بعيد.
بقيت كلماته ترن في أذني، وشعرت حينها أنني أنا من يحتاج إلى درس، لا ذلك الطفل. لقد كنت أظن أنني أقدم معروفاً، بينما كنت في الحقيقة أسلبه حقه في أن يُنظر إليه كعامل صغير يسعى لكسب رزقه بكرامة.
في مجتمعاتنا كثيراً ما نخلط بين الحاجة والتسول، وبين العمل والفقر. نرى طفلاً يبيع أو شاباً يعمل عملاً بسيطاً، فننظر إليه بعين الشفقة قبل أن ننظر إليه بعين الاحترام. بينما الحقيقة أن من يمد يده ليبيع منتجاً أو يقدم خدمة، إنما يدافع عن كرامته قبل أن يبحث عن رزقه.
ذلك الطفل الموصلي لم يكن يبيع العطور فقط، بل كان يبيع درساً في العزة والكبرياء. درساً جعلني أعيد النظر في كثير من المواقف والأفكار التي نحملها دون قصد.
ومنذ ذلك اليوم أدركت أن أفضل مساعدة يمكن أن نقدمها لمن يعمل بشرف ليست الصدقة، بل احترام عمله، وتشجيعه، وشراء ما يبيعه إن كنا بحاجة إليه، لأن الكرامة الإنسانية لا تُقاس بحجم المال الذي نمنحه للآخرين، بل بمدى احترامنا لجهدهم وكفاحهم.
رحلت من الموصل وأنا أحمل ذكرى جميلة عن مدينة عظيمة، لكن أكثر ما بقي عالقاً في ذاكرتي لم يكن الكورنيش ولا المطعم ولا الدعوة الكريمة، بل كلمات طفل صغير علّمتني معنى كبيراً.
علّمتني أن الكرامة ليست مرتبطة بالعمر، وأن الشرف لا يُقاس بحجم ما نملك، بل بطريقة سعينا إليه. لقد كان ذلك الطفل يحمل قناني عطر صغيرة، لكنه كان يحمل في داخله كبرياء رجالٍ كبار.
في ذلك المساء لم أشترِ عطراً، لكنني عدتُ ومعي درس لن أنساه ما حييت؛ أن نحترم جهد الناس قبل أن نشفق عليهم، وأن نرى في العامل الكادح إنساناً يصنع كرامته بيده، لا محتاجاً ينتظر عطف الآخرين.
ومنذ ذلك اليوم، كلما تذكرت وجه ذلك الطفل، تذكرت أن أجمل ما فاح في ذلك المكان لم يكن رائحة العطور التي كان يبيعها، بل رائحة الكرامة التي حملها في كلماته وموقفه.
ولهذا سيبقى ذلك الطفل الموصلي في ذاكرتي، وسيبقى عنوان تلك الحادثة محفوراً في وجداني.




