خسارات كبرى قادت الى إنتصار أعظم..!
محمود المغربي ||

صحيحٌ أن إيرانَ خسرت الكثيرَ من القياداتِ العُليا، بمن فيهم المرشدُ، إلا أن تلك الخسارةَ قد ساهمت في بروزِ قياداتٍ جديدةٍ ودماءٍ حارةٍ، أكثرَ شجاعةً وقدرةً على المواجهةِ من القياداتِ السابقةِ التي كانت تتعاملُ بحكمةٍ ومرونةٍ وتلتزمُ بالصبرِ الاستراتيجي، وهي أمورٌ أثبتتْ فشلَها في التعاملِ مع أمريكا وإسرائيل وحلفائِهم الذين لا يفقهون إلا منطقَ القوةِ.
وكما هو واضحٌ، لم تكن إيرانُ في العقودِ الماضيةِ تنظرُ إلى مضيقِ هرمزَ كورقةٍ ذهبيةٍ، ورغم علمِها أن دولَ الخليجِ هي جزءٌ مهمٌ من الحصارِ والعقوباتِ والعدوانِ عليها، إلا أن إيرانَ كانت تتعاملُ مع دولِ الخليجِ بلطفٍ مبالغٍ فيه. كما أن إيرانَ لم تكن تتحدثُ عن دعمِها للحلفاءِ بصوتٍ عالٍ، وتخجلُ من الاعترافِ بوجودِ نفوذٍ لها في لبنان، واكتفتْ بتقديمِ الدعمِ الخفيِّ لحلفائِها، دون أن تتدخلَ حتى عندما شنتْ إسرائيلُ عدوانًا على لبنان، وتم اغتيالُ الأمينِ العامِّ للحزبِ وعددٍ من القياداتِ.
إلا أن موقفَ إيرانَ قد تغيرَ 180 درجةً في ظلِّ القيادةِ الجديدةِ، فتم استخدامُ ورقةِ مضيقِ هرمزَ على أكملِ وجهٍ، وأغلقتْ إيرانُ المضيقَ بشكلٍ كاملٍ، وجعلتِ العالمَ محاصرًا يعاني، بل أوقفتِ الملاحةَ في الخليجِ، ودمرتِ القواعدَ والمصالحَ الأمريكيةَ في الخليجِ، وذهبتْ إلى استهدافِ الضباطِ والجنودِ الأمريكيينَ في الفنادقِ والمقراتِ داخلِ دولِ الخليجِ، وفرضتْ حصارًا جويًا وبحريًا على دولِ الخليجِ، وأوقفتِ الحياةَ فيها.
وبدأتْ في الحديثِ عن الحلفاءِ بصوتٍ عالٍ، وجعلتْ منهم جزءًا من التسويةِ، وفرضتْ وقفَ إطلاقِ النارِ في لبنان، وجعلتْ أمنَ لبنانَ جزءًا من أمنِها، والاعتداءَ على بيروتَ اعتداءً على طهرانَ. وعندما قامتْ إسرائيلُ باستهدافِ بيروتَ، ذهبتْ إيرانُ إلى استهدافِ شمالِ إسرائيلَ، بما يتعارضُ مع رغبةِ أمريكا وهدفِها من العدوانِ على إيران، والمتمثلِ بجعلِ إيرانَ تتخلى عن الحلفاءِ، وبدلًا من ذلك، عززتْ إيرانُ علاقتَها مع الحلفاءِ وجعلتْ منهم جزءًا لا يتجزاء من التسويةِ، وهذا الأمرُ لم يكنْ ممكنًا في السابقِ، بل جعلتْ إيرانُ من ذلك أحدَ بنودِ الاتفاقِ.
وعندما قامتْ أمريكا باستهدافِ بعضِ المواقعِ الإيرانيةِ في فترةِ وقفِ إطلاقِ النارِ، ردتْ إيرانُ بشكلٍ فوريٍّ واستهدفتْ سفنًا أمريكيةً، وضربتِ القواعدَ الأمريكيةَ في الكويتِ والبحرينِ وحتى في الأردنِ دون ترددٍ، وأوقفتِ المُباحاتِ لأكثرِ من مرةٍ حتى تستجيبَ أمريكا لشروطِها . وبمجردِ أن وافقتْ إيرانُ على مذكرةِ التفاهمِ، وقبل التوقيعِ عليها بخمسِ أيامٍ، فرضتْ إيرانُ على أمريكا رفعَ الحصارِ البحريِّ عليها فورًا، وتجميدَ العقوباتِ على بيعِ النفطِ والغازِ الإيرانيِّ. وبمجردِ التوقيعِ على مذكرةِ التفاهمِ، سيتمُ الإفراجُ عن نصفِ الأموالِ الإيرانيةِ المجمدةِ، وتبدأُ أمريكا في رفعِ العقوباتِ عن إيرانَ بشكلٍ تدريجيٍّ. كلُّ هذا حصلتْ عليه إيرانُ بمقابلِ فتحِ مضيقِ هرمزَ بشكلٍ تدريجيٍّ، ودونِ أن يتمَّ الحديثُ عن ملفِّ إيرانَ النوويِّ في مذكرةِ التفاهمِ، ودونِ أن تتنازلَ إيرانُ عن فرضِ رسومٍ على السفنِ التي تعبرُ من مضيقِ هرمزَ، بل تم تغييرُ مسمى تلك الأموالِ من “رسومِ عبورٍ” إلى “خدماتٍ”.
والأكثرُ من ذلك أن إيرانَ ستحصلُ على 300 مليار دولارٍ من دولِ الخليجِ مقابلَ إعادةِ الأعمارِ. فهل يمكنُ لدولةٍ مهزومةٍ أو خسرتِ الحربَ أن تفرضَ كلَّ هذه الشروطِ وتحصلَ على كلِّ هذه المزايا؟ وهل يمكنُ أن نقولَ إن إيرانَ قد خسرتِ المعركةَ، كما يقولُ أتباعُ محورِ تل أبيب؟ وحتى نزيدَ من حسرةِ أعداءِ إيرانَ، سوف نوردُ بعضَ المعلوماتِ.
بلغَ حجمُ الناتجِ المحليِّ لإيرانَ في الفترةِ الماضيةِ (فترةِ الحربِ والعدوانِ) 470 مليار دولارٍ، وإذا تم الوصولُ إلى اتفاقٍ، يتوقعُ الخبراءُ أن يصلَ حجمُ الناتجِ المحليِّ لإيرانَ في السنواتِ القادمةِ إلى اثنينِ تريليونِ دولارٍ، وأن تحققَ إيرانُ قفزةً هائلةً في حجمِ النموِّ الاقتصاديِّ، وأن تنافسَ في السنواتِ العشرِ القادمةِ كبارَ الدولِ الصناعيةِ في المجالِ الصناعي والتكنولوجيا. وهذا ربما ما يقلقُ إسرائيلَ وبعضَ دولِ الخليجِ، أن يكونَ هناك نموذجٌ مشرفٌ لدولةٍ إسلاميةٍ تُطبِّقُ الإسلامَ المحمديَّ الصحيحَ، خصوصًا أن أعداءَ الأمةِ قد أظهروا فشلَ الأنظمةِ الدينيةِ، وجعلوا من الدينِ حاجزًا أمامَ النموِّ الاقتصاديِّ والاجتماعيِّ والتطورِ والرخاءِ. وهو ربما يكونُ صحيحًا مع الدينِ الوهابيِّ والإخوانيِّ المُحرَّفِ، أما مع الدينِ الإسلاميِّ المحمديِّ الصحيحِ، فيمكنُ تحقيقُ المعجزاتِ وطفرةٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ وإنسانيةٍ لم يشهدْ لها التاريخُ مثيلًا.




