الخميس - 18 يونيو 2026
منذ 3 ساعات
الخميس - 18 يونيو 2026

رياض الفرطوسي ||

 

 

 

الكهرباء في بلدٍ تلامس صيفه الخمسين مئوية ليست مجرد رفاهية تكييف أو إنارة عابرة؛ إنها شريان المستشفيات، ومحرك الجامعات، والنافذة التي تطل منها الأجيال على العالم، وبترها يعني ببساطة اغتيال المستقبل.

ورغم مليارات الدولارات التي تبخرت في هذا الملف، ما زال العراقيون يكتوون بنيران أزمة تُدار بخيوط تشابكت فيها السياسة الدولية بالقيود المصرفية العالمية، حيث يمكن لـ “كبسة زر” في أروقة البنوك الغربية أن تجمد أحلام بلدٍ بأكمله، تماماً كما تسببت آلة الحرب سابقاً بتدمير البنية التحتية المدنية.

لكن، في الوقت الذي تغرق فيه البلاد بالوعود السياسية والشعارات الأيديولوجية الفارغة التي لم تطبخ عشاءً ولم تبرد صيفاً، تلتفت شعوب أخرى نحو حلول الأرض البدائية لتصنع منها ثورة تكنولوجية.

“السرجين” أو روث الحيوانات، الذي طالما اعتبره البعض مجرد نفايات، بات اليوم عملة الطاقة القادمة؛ ففي أفريقيا، نجحت إثيوبيا عبر منشآت ضخمة في تحويل المخلفات الحيوانية والعضوية إلى طاقة تغطي ثلث حاجة ملايين السكان، محققةً ضربة مزدوجة: تنظيف البيئة بذكاء وإنتاج كهرباء بلا كلفة تذكر.

وفي الجانب الآخر من العالم، تقود دول كفنلندا مبادرات لتحويل روث الخيول والابقار إلى تدفئة مركزية وكهرباء نظيفة، لتثبت أن الطاقة الحقيقية تكمن في حسن التدبير لا في انتظار المعجزات.

بينما يتحرك العالم نحو استغلال كل غرام من النفايات لحل أزماته، وتدور خلف الكواليس السياسية أحاديث بروتوكولية ومشاريع وعود نووية أمريكية لا تزال حبراً على ورق، يظل الحل الواقعي الأسرع هو الالتفات إلى ما تحت الأقدام.

إن استثمار ثروة العراق الحيوانية ومخلفاته في معامل تدوير وطنية حديثة كفيل بإنهاء أسطورة “الجحيم الصيفي” وكسر الهيمنة المصرفية الخارجية، فالشعوب الحية هي التي تصنع الضوء من عمق قاعها، بدلاً من العيش على أمل وعود لن تزيد الصيف إلا لهيباً.