كربلاءُ المِعْراج: صِيَاغَةُ الرُّوحِ بِدُمُوعِ العَقِيدَةِ وَوَعْيِ الانْتِمَاء..!
أ. محمد البحر المحضار ||

كربلاء الميقات: كيف نستولد الوعي من رحم الدمعة وفيوضات الوجدان الحسيني؟
ما السر في هذا الميقات الحزين الذي يمتلك قدرة غريبة على تفكيك الصمت، وإعادة صياغة النبض، وتوجيه بوصلة التاريخ في كل عام؟
ما الذي يجعل الملايين من البشر يستشعرون حرارة في قلوبهم لا تبرد أبدا، وكأن جراح الطف لم تجف دماؤها منذ تلك العشية؟
لماذا يتحول هذا الموسم بالذات من مجرد ذكرى مأساوية عابرة طواها الزمن، إلى زلزال قيمي وتربوي يعيد هندسة الذات المؤمنة من الداخل؟
هل أراد منا سيد الشهداء (عليه السلام) أن نقف عند حدود الدمع واللوعة، أم أراد لهذه العبرة أن تكون جسرا نحو العبرة، ومحطة لانبثاق الوعي وإصلاح النفس؟
إن البواطن تتزاحم بالأسئلة مع أول إطلالة لهلال محرم الحرام، لكنها تلتقي كلها عند حقيقة عظمى صاغتها مدرسة أهل البيت (عليهم السلام): أن محرم ليس جدارا للنحيب فحسب، بل هو نافذة للبصيرة وبناء الإنسان.
إن الحزن والبكاء وإقامة المآتم في هذا الشهر ليست مجرد طقوس عاطفية مجردة، بل هي وقود روحي يغذي الوجدان، وبوابة وجدانية لا غنى عنها لملامسة عمق المأساة، غير أن الغاية الأسمى هي أن نترجم هذه الدموع الصادقة إلى طاقة عملية تغير واقعنا ونفوسنا إلى الأفضل.
يستقبل المؤمنون شهر محرم الحرام لا كمناسبة زمنية تطوى بانقضاء الأيام، بل كنفحة روحية كبرى، ومدرسة عقدية وأخلاقية تتجدد لترسي أركان الحق واليقين.
إن إحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام) يتجاوز المظاهر والشعائر على جلالة قدرها وعظم دورها، ليصبح برنامجا ديناميكيا يهدف إلى الارتقاء بالكل الروحي والسلوك الإنساني وتمتين الرابطة مع الخالق جل جلاله.
ومن هنا، فإن الاستقبال الحقيقي لهذا الموسم العظيم يتجسد في تبني منهجية عملية تحول العاطفة الجياشة والدمعة الساكبة إلى سلوك معيش، وذلك عبر خطوات روحية واجتماعية متكاملة:
– عمود الدين: المواظبة التامة على الصلوات الواجبة في مواقيتها الفضيلة، فهو الشعيرة التي قطعت من أجلها الأشلاء في ظهيرة عاشوراء.
– الصنوان اللذان لا يفترقان: جعل القرآن الكريم رفيقا يوميا بتلاوة مقدار ثابت مع التدبر، فالحسين هو القرآن الناطق.
– مجالس الهداية:حضور المجالس الحسينية بعقلية المستفيد الباحث عن المضامين الفكرية والأخلاقية، لا بدافع العادة والتكرار.
– اللهج بالذكر: تعطير الألسنة بالمواظبة على الأدعية المأثورة والصلاة على محمد وآل محمد.
– الانعطافة الصادقة:** اتخاذ هذه الأيام محطة للتوبة النصوح واجتناب المعاصي والذنوب.
– السيمياء الحسينية: التحلي بالأخلاق الفاضلة، ولين الجانب، ورقي التعامل كانعكاس لأدب أهل البيت (عليهم السلام).
– الأقربون أولى: تمتين الأواصر الاجتماعية بصلة الرحم، وبر الوالدين، وقضاء حوائج المؤمنين.
– المواساة العملية: التصدق بما تيسر لمواساة الفقراء والمحتاجين تعبيرا عن التكافل الإسلامي.
– المحراب النفسي: تخصيص وقت يومي خلوتي لمحاسبة النفس وتقويم اعوجاجها.
– الميثاق الأزلي: تجديد العهد والولاية لأئمة الهدى (عليهم السلام) قولا وعملا ونصرة.
إن النقطة المحورية التي يجب أن نقف عندها في هذه الأيام هي “المراجعة الشاملة للذات”. فنحن في حياتنا نشكو التبعات، وتحاصرنا هموم الفقر، والمرض، والأزمات، والظلم، والحروب، والمخاوف المستقبلية.
لكن، لو أن الإنسان جمع كل مصائبه ومشاكله وعثراته، بل لو جمعنا مصائب البشرية جمعاء منذ هبوط آدم (عليه السلام) إلى نفخة الصور، وضربناها في مليون، لما بلغت في النسبة المئوية (0.00\%) أمام حجم الوجع والمصاب الذي تعرض له ليس الإمام الحسين وحسب، بل حتى فرد واحد من محبي وأنصار الإمام الحسين في كربلاء.
كيف بنا إن تطلعنا لمصاب سيدنا أبا عبدالله الإمام الحسين ومصاب أخيه الإمام الحسن عليهما السلام، وكيف بمصاب سيدتنا زينب وسيدنا فاطمه وسيدتنا خديجة وسيدنا امير المؤمنين الإمام علي عليهم السلام، وكيف بمصاب السيد الاعظم والقائد الاعلى سيدي رسول الله محمد صلوات الله عليه وعلى آله.
ومع ذلك الرزء الذي تهتز له السموات والأرض، لم نجد في تلك المدرسة إلا الرضا والتسليم والملاحم العرفانية الكبرى.
لم نسمع تذمرا ولا اعتراضا، بل كان الشعار الخالد لعقيلة الطالبين السيدة زينب (عليها السلام): «ما رأيتُ إلا جميلاً»، وكان لسان حال العشق الإلهي يقول: «خذ حتى ترضى».
فأين نحن، بتذمرنا الدائم وقلة صبرنا أمام ابتلاءات الدنيا الصغيرة، من هذه القمم الشامخة؟
إن هذه المقارنة الذكية تجعلنا نستصغر آلامنا، ونستحي من شكوانا، وندرك أن أعظم هدية نقدمها لسيد الشهداء هي أن نخرج من محنة الحزن أكثر صلابة، وأقرب إلى الله، وأشد استقامة.
أما_بعد…
فإن محراب الحزن الحسيني ليس مكانا للانكفاء والانكسار السلبي، بل هو مصهر روحي يعيد صياغة الإنسان ليكون أكثر بصيرة وأعظم همة.
فالبكاء على الحسين يغسل رعشات القلوب ليجعلها مستعدة لحمل مبادئه، ومن بين نفحات المجالس وأقباس العزاء، تنبثق فرصة تاريخية لكل نفس تريد الخروج من ظلمات الغفلة إلى نور الهداية.
فطوبى لمن صنع من دمعته وعياً، ومن حزنه إصلاحاً، وجعل من هذه الأيام المباركة جسراً للعبور نحو مرضاة الله تعالى.
فما أجمل أن نودع هذا الشهر ونحن غير الذين دخلناه، أكثر طهراً، وأصدق ولاية، وأعمق انتماءً لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام).
رفعت_الجلسة …
*#البحر_المحضار …*




