عاشوراء .. الحزن الذي يصنع الوعي..!
تحسين السيد ||

حين يقبل محرّم ، لا يدخل شهراً على التقويم فحسب ، بل تدخل الذاكرة أبواب الروح ، وتعود الأرض لتُنصت إلى وقع الخيول البعيدة .. وإلى صدى الموقف الذي لم يكن يوماً مجرد معركة ، بل مدرسة ممتدة في الوعي والصبر والكرامة . كأن الزمن كلما أقبل هذا الشهر يتوقف قليلاً ليفتح دفاتر الأسئلة الكبرى : كيف تُصان القيم؟ وكيف يبقى الحق واقفاً وسط ضجيج الباطل ؟ وكيف يمكن لأمةٍ مثقلة بالجراح أن تتعلم من الدم معنى البقاء ؟
في محرّم ، لا تُرفع الرايات السود حزناً فقط، بل وعياً أيضاً .. وعياً بأن الشعائر ليست طقساً عابراً ، بل جسوراً تعبر بالإنسان نحو التقوى ، ومدارس تُهذّب السلوك، وتربط القلوب بميزانٍ لا يختلط فيه الحق بالزيف .. هنا يصبح المنبر رسالة ، والكلمة مسؤولية ، والدمعة موقفاً أخلاقياً قبل أن تكون انفعالاً عاطفياً ، لأن عاشوراء لم تُرد لأتباعها أن يحفظوا الحكاية فحسب ، بل أن يعيشوا أخلاقها ، ويتخلقوا بمعاني الصدق والإخلاص والرحمة والثبات ..
ومع كل محرّم ، تبدو الحاجة أكبر إلى أن تتماسك المجتمعات ، وأن تبتعد عن الفرقة والاختلاف ، فمدرسة الحسين لم تكن يوماً مدرسة انقسام ، بل مدرسة أمةٍ تعرف كيف تحفظ وحدتها وهي تواجه العواصف ، وكيف تجعل من التقوى ميزاناً في القول والأداء والسلوك .
ولعلّ ما تشهده المنطقة اليوم من صراعات ومواجهات يعيد إلى الأذهان شيئاً من فلسفة الصبر التي صنعتها كربلاء ؛ فحين تتمسك شعوبٌ أو دولٌ بمواقفها رغم الحصار والضغوط ، فإنها – في وجدان مؤيديها – تستحضر معنى الثبات على المبدأ، وتستعير من عاشوراء فكرة أن الانكسار لا يُقاس بحجم الجراح ، بل بالتخلي عن القيم . ومن هنا ، يرى كثيرون في بعض مواقف الصمود الإقليمي ، ومنها الموقف الإيراني ، امتداداً رمزياً لفكرة التمسك بالموقف مهما اشتدت الكلفة ..
هكذا يأتي محرّم كل عام ، لا ليعيد الحزن فقط، بل ليوقظ الضمير ، ويذكّر الأمة بأن الدم الذي سُفك من أجل الحق لا يزال يسأل : أيُّ طريقٍ اخترتم ؟ طريق المبدأ .. أم طريق المساومة ؟




