الخميس - 18 يونيو 2026
منذ ساعتين
الخميس - 18 يونيو 2026

رياض الفرطوسي ||

 

 

 

يلاحقني ككاتب وصحفي عراقي عاصر جيل الصحافة الورقية المطبوعة ودخل معترك الصحافة الرقمية سؤال مقلق لا يكف عن الدوران في رأسي :

لماذا لم يعد الناس يقرؤون لنا؟ هذا التساؤل ليس نتاج أرقام إحصائية جافة، بل هو وجع حقيقي نلمسه في تفاصيل عملنا اليومي المعاش. كنا في الماضي نرى الكتابة طقساً شعبياً، يمسك فيه المواطن جريدته مع استهلالية الصباح كمن يمسك رغيف خبز دافئ، أما اليوم فقد تحولنا إلى جزر معزولة نقرأ لبعضنا بعضاً في حلقة مفرغة من النخبوية والقلة.

والمغالطة الكبرى التي نخدع بها أنفسنا هي تعليق هذا العزوف على مشجب التكنولوجيا المعاصرة وتغير أدوات المعرفة؛ فالنشر هو النشر، لا تتغير قيمته وجوهره سواء كُتب بتباشير على حائط مدرسة محلية، أو رُفع بنقرة زر على منصة رقمية عالمية. العلة الحقيقية والعميقة لا تكمن في الشاشة أو الورقة، بل في القلم الذي تبدل وصاحبه الذي انسلخ عن طينة الأرض.

في سنوات التأسيس الأصيلة، كان الكاتب الصحفي في العراق وسائر الحواضر العربية جزءاً لا يتجزأ من سحنة الشارع وحركته اليومية. كان يزاحم العمال والموظفين في الحافلات العامة والباصات، ويشتري لوازم بيته من دكان الحي، ويسهر على دكة صاحب الدكان يتبادل الحكايا ويسجل الهموم الحقيقية دون زيف أو رتوش. كان قريباً لدرجة تجعل آلام الناس ومظالمهم تجري في عروقه حبراً قبل أن تسيل على الورق، فكان من الطبيعي أن تقرأه الجماهير لأنها تجد في سطوره صدى لقمة عيشها وأحلامها المجهضة.

أما اليوم، فقد برزت في مجتمعاتنا ظاهرة مشوهة لصحفيين استعجلوا القفز فوق المراحل، فتنكروا لأحيائهم البسيطة وخلعوا عباءة المهنة الأخلاقية ليتحولوا إلى نخب معزولة خلف زجاج المكاتب المكيفة والمجمعات السكنية الفاخرة.

لقد تحولت الصحافة مع هذا التحول الدراماتيكي من رسالة تنويرية وبحث شاق عن الحقيقة إلى “مهنة من لا مهنة له”، ومجرد سلم وظيفي للتسلق والوجاهة الاجتماعية.

فالكاتب النخبوي اليوم لم يعد معنياً بأن يسهر في بيوت البسطاء أو يعبر عن قضاياهم، بل أصبح يختار مفرداته بعناية فائقة مستخدماً مصطلحات فخمة ومقعرة، لا ليفهمها الشارع، بل ليقدمها كأوراق اعتماد وصكوك ولاء للطبقة السياسية الحاكمة من أجل تحقيق ارتزاق وظيفي أو مكاسب نفوذ.

وتتحمل السلطة عبر عقود طويلة وزراً كبيراً في هذا التواطؤ، من خلال الإغراءات المستمرة التي تُشترى بها الأقلام وتنزعها من بيئتها الاجتماعية لتبرم معها صفقة كاملة غايتها تدجين الكلمة. وأمام هذا المشهد، صار جلّ طموح الصحفي أن يظهر بكامل قيافته وهندامه الملون في “الجاهات” والمناسبات الاجتماعية، متباهياً بصورة تجمعه مع هذا المسؤول أو ذاك، دون أدنى مبالاة بواجبه المهني في نقل المعلومة بمسؤولية وحرفية.

في المقابل، لو تأملنا بعمق تجارب الصحفيين الغربيين والأوروبيين الذين يتربعون على قمة الهرم المهني ويحصدون الجوائز العالمية، لعرفنا سر قوتهم ومكمن أزمتنا. في تلك المجتمعات، لا يقاس نجاح الصحفي بمدى قربه من السلطة أو قدرته على التملق، بل بمدى التصاقه التام بنبض الرصيف والشارع؛ فالصحفي هناك يدرك أن سلطته الرابعة تكتسب شرعيتها من المواطن العادي، لذلك تراه يعيش حياة طبيعية، يرتاد المقاهي والمواصلات العامة، ويتحدث بلغة واضحة ورصينة تفكك أعقد الأزمات دون استعلاء معرفي أو طبقي، معتبراً الدفاع عن قضايا المجتمع ومحاربة الفساد خطاً أحمر لا يمكن المساومة عليه.

إن بقاء الصحفي الغربي محترفاً مشروط ببقائه في صف الجماهير، بينما يرى الصحفي العربي النخبوي أن صك نجاحه يُمنح فقط من بوابات القصور والصالونات السياسية المغلقة.

إن هذا الانفصال الوجداني والمعرفي بين الكاتب والجمهور أنتج تداعيات مدمرة على الوعي العام؛ إذ تلمست الجماهير بحسها الفطري هذا الاغتراب، وأدركت أن هؤلاء الصحفيين لم يعودوا يعبرون عنها، فكان العزوف التام عن القراءة عقاباً طبيعياً وقاسياً لمن خانوا أمانة الكلمة.

ولعل المخرج السلس والمقبول شعبياً لتجاوز هذه الأزمة يتلخص في ضرورة فك هذا الارتباط النفعي بين الأقلام ومراكز النفوذ، والعودة الفورية بالصحافة إلى الميدان والشارع. لن يعود الناس إلى القراءة ما لم يشعروا أن الكاتب يتقاسم معهم رغيف الخبز والهم اليومي، وما لم تستعد الكلمة دفئها ونزاهتها لتكون مرآة صادقة تعكس ملامح الكادحين والبسطاء لا وجوه المسؤولين وصالوناتهم المترفة.