قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ..!
السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ ﴿العنكبوت: 10﴾
هؤلاء صنف من الناس، ما هم بكافرين، ولا منافقين، وفي ذات الوقت لم يملأ الإيمان قلوبهم ويستقر فيها، بل هو (مستودع) بالتعبير القرآني، أي وديعة في القلب، يكون فيه إلى أجل، وعند انتهائه يخرج منه حتى كأنه لم يكن فيه، وهو كذلك لأنه لم يقم على اعتقاد يقيني ثابت، أو لأنه إيان قائم على المصلحة،
وهذا اللون من الإيمان شائع في الناس، فإنك ترى هؤلاء مع الدين ما دام الدين يوفر لهم حاجاتهم ويحفظ مصالحهم، فإذا احتاج منهم الدين إلى موقف، أو تضحية، أو احتاج منهم عطاءً وبذلًا، أو طلبوا أمرًا من الله فلم يتحقق لهم في الوقت الذي يريدون، انقلبوا على أعقابهم، وخرجوا من إيمانهم، وابتعدوا عن جماعة المؤمنين،
هذا الصنف هو الذي عناه الإمام الحسين (ع) بقول: “النَّاسُ عَبِيدُ الدُّنْيَا، وَالدِّينُ لَعِقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَايِشُهُمْ، فَإِذَا مُحِّصُوا بِالْبَلَاءِ قَلَّ الدَّيَّانُون ”
ما قاله الإمام الحسين (ع) هو توصيف عميق لهذا الصنف الذي تتحدث عنه الآية الكريمة التي في رأس هذا المقالة، إنهم يقولون: (آمَنَّا بِاللَّهِ) وهو مجرد قول، والقول لا ينبئ عمّا في جَنانهم، أو لعلهم يعتقدون أنهم مؤمنون حقًا، ولكنهم ينتظرون من إيمانهم هذا أن تكون حياتهم كلها -وفي جميع مراحلها وأطوارها- رغيدة هانئة سعيدة، لا تعب فيها ولا نصب، ولا مرض فيها ولا أذىً من أحد، ولا فقر فيها ولا احتياج، لا يُبتَلون فيها، ولا تصيبهم مصائب في أنفسهم أو أموالهم أو من يهمهم أمره، فإذا أتعبتهم عبادة، أو أصابهم مرض، أو فقر، أو تأخَّر عنهم الرزق، أو تأخَّرت عنهم حاجة طلبوها من الله، انقلبوا على أعقابهم.
وهؤلاء أيضًا ينتظرون من الإيمان أن يظلوا دائمًا أقوياء يهابهم الآخرون ويخافونهم، يريدون من الإيمان أن ينتصروا دائمًا على أعدائهم، وألّا ينال الأعداء منهم بحالٍ من الأحوال، فإذا نال منهم العدو، أو آذاهم، ارتدوا عن إيمانهم، وتركوا الهدى الذي هم عليه، وجعلوا أذى العدو كعذاب الله في الآخرة،
على الرغم من أن أذى العدو مهما عظُم فهو صغير، ومهما امتدَّ فهو عابر قصير، بخلاف ما يلحق الكافر من خِزي في الآخرة، وما يلاقي فيها من عذاب مقيم. إن عذاب الناس قد يندفع أو ينتهي ، وعذاب الله ليس له دافع، والصبر على عذاب الناس يترتب عليه ثواب عظيم، أمّا عذاب الله فبعده العقاب الأليم، والمشقة إذا كانت مستتبعة للراحة العظيمة تطيب النفس لها ولا تعدها عذابًا.
فالآية الكريمة تتحدث عن خللٍ في ميزان النظر والتقدير، إذ كيف يُسوَّى بين أذى مخلوق ضعيف محدود، وبين عذاب الخالق العظيم؟ وكيف يُقدَّم الخوف من الناس على الخوف من الله؟ إن منشأ هذا الخلل أن القلب لم يتحرَّر بعدُ من سلطان الدنيا، فما زال يَزِن الأمور بمقاييس الربح والخسارة العاجلة، لا بموازين الحق والباطل، والهدى والضلال.
ولهذا كان الابتلاء كاشفًا لحقيقة الإيمان، لأنه يجرِّد الإنسان من الزخارف التي تستر حقيقة نفسه، ويضعه أمام سؤال حاسم: لمن يكون ولاؤه حين تتعارض المصلحة مع المبدأ، والراحة مع التكليف، والأمن مع الحق؟
ولذلك كانت المِحَن في سنَّة الله من أعظم وسائل التربية الإيمانية، فإن الإيمان الذي لا يُختبَر يبقى دعوى لا يعلم صاحبها مقدار صدقها، أما إذا تعرَّض للابتلاء، وانكشفت له صعوبة الطريق، ثم ثبت عليه، تحوَّل الإيمان من مجرد فكرة في العقل إلى حقيقة راسخة في القلب،
ولهذا لم يكن البلاء في حياة الأنبياء والمؤمنين استثناءً، بل كان قاعدة مطَّردة، لأن الله يريد لعباده أن يبلغوا مراتب الصدق والثبات، لا أن يبقوا أسرى الإيمان السطحي الذي تزعزعه أول عاصفة.
إن كثيرًا من الناس لا يتركون الحقَّ لأنهم اقتنعوا ببطلانه، وإنما يتركونه لأن كلفة التمسك به عالية في نظرهم، فقد يوقن الإنسان بصواب طريقٍ ما، ولكنه يخشى خسارة منصب، أو مال، أو جاه، أو علاقة اجتماعية، فيؤثر السلامة العاجلة على النجاة البعيدة. وهنا يظهر الفرق بين المؤمن الذي يجعل الحق معيارًا لمصالحه، وبين صاحب الإيمان المصلحي الذي يجعل مصالحه معيارًا للحق.
وهذا المعنى يتجلَّى بوضوح في واقعنا المعاصر، فكم من إنسان يرفع شعارات الحق والعدل ما دامت لا تُحمِّله ثمنًا، فإذا أصبح للحق كلفة، وللموقف تبعات، آثر الصمت أو التراجع، أو المسايرة، وكم من أناس كانوا مع المظلوم ما دام نصره قريبًا، فإذا اشتدَّت عليه المحنة، أو طال عليه البلاء، أو تكالب عليه خصومه، تخلَّوا عنه أو تنكَّروا له، ثم إذا تبدَّلت الأحوال،
وجاء الفرج بعد الشدة، عادوا يعلنون انتماءهم إليه، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾.
ولهذا تدعونا الآية الكريمة إلى مراجعة إيماننا دائمًا، وتدعونا إلى أن يسأل كل واحد منا نفسه ماذا لو تعارضت مصلحتي مع ما أؤمن به؟ ماذا لو كلَّفني حمل الحق أثمانًا باهظة، أو سلبني راحتي ومكانتي ومصالحي، هل يبقى إيماني ثابتًا كما كان في أوقات السعة والرخاء؟
إن المؤمن الصادق لا يُقاس بثباته عند النعمة، وإنما يُقاس بثباته عند الفتنة، لأن أوقات الرخاء قد يجتمع فيها الناس جميعًا على كلمة الإيمان، أما أوقات المحنة فلا يبقى فيها إلا الذين استقر الإيمان في قلوبهم، ورسخ اليقين في نفوسهم، فعرفوا أن ما عند الله خيرٌ وأبقى، وأن طريق الحق قد يطول ويشق، ولكنه الطريق الوحيد الذي ينتهي بصاحبه إلى رضوان الله وكرامته.
فجر يوم الأحد الواقع في: 14/6/2026 الساعة (04:00)




