الجمعة - 19 يونيو 2026

القصة الأولى.. ابن المنبر.. من مجموعة المنبر..!

منذ 6 أيام
الجمعة - 19 يونيو 2026

جليل هاشم البكاء ||

 

 

كانت ليلة عاشورائية مكتظة بالوجوه والدموع والأنفاس المتلاحقة. ازدحمت الحسينية حتى امتلأت أروقتها وساحاتها الخارجية. جلس الشيوخ في الصفوف الأولى، وتوزع الشباب على الجوانب، بينما وقف الأطفال عند الأبواب يحاولون التسلل إلى الداخل لرؤية الخطيب.

صعد الشيخ حسن درجات المنبر ببطء.

لم يكن أحد يلاحظ ارتجافة يده الخفيفة وهو يضع أوراقه على المنصة الخشبية العتيقة. رفع رأسه نحو الحضور، فشاهد مئات العيون تنتظر كلماته.

لكن عينيه لم تكونا تنظران إلى الحاضرين.

كانتا تنظران إلى زمن بعيد.

إلى طفل صغير يجلس في آخر مجلس حسيني قبل أربعين عاماً.

ذلك الطفل كان هو نفسه.

كان عمره آنذاك تسع سنوات فقط.

وكان والده الخطيب الأشهر في المدينة.

كلما صعد الأب المنبر جلس حسن قرب الباب ممسكاً بحذائه القديم، ينظر إليه بإعجاب يشبه العبادة.

لم يكن يحلم بمال أو منصب أو تجارة.

كان يحلم بشيء واحد فقط.

أن يقف يوماً فوق ذلك المنبر.

كان يقلد والده في البيت.

يصنع منبره من صناديق الخشب الفارغة.

يجمع أبناء الجيران ويخطب أمامهم.

وكان أخوه الأكبر علي يضحك دائماً ويقول:

سيأتي يوم تصبح فيه خطيباً أفضل من أبي.

فيضحك الأب ويربت على رأسه قائلاً:

المهم أن تخدم الحق أينما كنت.

لكن الأيام لم تترك لهم فرصة طويلة للحلم.

ففي تلك السنوات كانت البلاد تعيش تحت قبضة الطاغية.

كانت المجالس الحسينية مراقبة.

والخطباء تحت الملاحقة.

والمخبرون ينتشرون بين الناس كالأشباح.

في إحدى الليالي طرق رجال الأمن باب منزلهم بعنف.

استيقظ الأطفال مذعورين.

ودخل الجنود كالعاصفة.

قلبوا البيت رأساً على عقب.

مزقوا الكتب.

وكسروا الصور.

ثم اقتادوا الأب والأخ الأكبر مكبلين بالأغلال.

ركض حسن خلف السيارة العسكرية وهو يبكي.

كان يسمع صوت أمه وهي تصرخ في الشارع.

لكن السيارة ابتعدت وسط الظلام.

ولم يعودا بعدها أبداً.

بعد أشهر طويلة وصلهم خبر إعدامهما.

لم يتسلموا جثماناً.

ولم يعرفوا مكان القبر.

كل ما بقي منهما صورة قديمة ومنبر فارغ.

تحولت حياة الأسرة إلى سلسلة من الخوف والفقر.

اضطرت الأم إلى بيع أثاث المنزل قطعة بعد أخرى.

وعمل حسن في السوق حمالاً وبائعاً متجولاً.

كان يحمل الصناديق الثقيلة نهاراً.

ويعود ليلاً منهكاً.

لكن شيئاً واحداً لم يتغير.

حلمه.

كان يذهب سراً إلى المجالس القليلة التي تقام بعيداً عن أعين السلطة.

يجلس في الظلام ويحفظ الخطب.

يحفظ القصائد.

ويعيدها في ذاكرته أثناء العمل.

كان المنبر يناديه دائماً.

مرت السنوات.

كبر الطفل.

وأصبح شاباً.

لكن السلطة ازدادت قسوة.

وفي كل مرة يفكر بالصعود إلى المنبر كان يتذكر مصير والده وأخيه.

فيتراجع.

حتى جاء اليوم الذي تغير فيه كل شيء.

سقط النظام.

وانهارت السجون.

واختفى المخبرون الذين كانوا يرعبون الناس.

خرجت المجالس إلى العلن.

وعادت الرايات السود ترفرف فوق الشوارع.

وفي أول عاشوراء بعد التغيير، جاءه كبار المدينة.

قالوا له إن المنبر القديم ما زال موجوداً في الحسينية القديمة.

ويريدون منه أن يكون أول من يصعد إليه.

تجمد في مكانه.

شعر أن السنوات كلها تجمعت فوق كتفيه.

ليلة المجلس لم يستطع النوم.

ظل ينظر إلى صورة والده حتى الفجر.

وحين دخل الحسينية رأى المنبر ذاته.

الخشب نفسه.

الدرجات نفسها.

حتى الخدوش القديمة ما زالت في أماكنها.

شعر وكأن الزمن توقف هناك منذ لحظة اعتقال والده.

صعد الدرجات ببطء.

وعندما جلس فوق المنبر لم يتمالك نفسه.

بكى.

وبكى معه الحضور.

كانت تلك أول مرة يشعر فيها أن الحلم انتصر على الخوف.

مرت الأعوام.

وأصبح الشيخ حسن من أشهر خطباء المنطقة.

لكن قصة والده لم تغب عن قلبه يوماً.

وفي إحدى الليالي العاشورائية المزدحمة حدث أمر لم يكن يتوقعه.

بين الحاضرين لمح وجهاً غريباً.

شاباً في الثلاثين من عمره.

كان يجلس في الصف الأخير ويبكي بحرقة.

تكرر حضوره عدة ليالٍ.

وفي نهاية المجلس اقترب منه.

كانت ملامحه متوترة.

يداه ترتجفان.

ثم قال بصوت مكسور:

أنا ابن الرجل الذي تسبب في اعتقال والدك وأخيك.

ساد الصمت.

تجمد حسن في مكانه.

وكأن السنوات عادت فجأة.

رأى أمامه سيارة الأمن.

وسمع صراخ أمه.

وشاهد وجه أبيه للمرة الأخيرة.

أكمل الشاب كلامه وهو يبكي:

أبي كان مخبراً… وقبل موته أعطاني هذه الحقيبة وأوصاني أن أسلمها لك.

فتح الحقيبة بيدين مرتجفتين.

فوجد أوراقاً قديمة وصوراً ورسائل.

وكانت بينها رسالة بخط والده.

قرأها والدموع تملأ عينيه.

كانت الرسالة قد كتبها الأب داخل المعتقل قبل إعدامه بأيام.

يوصي أبناءه بالصبر.

ويطلب منهم ألا يحملوا الحقد لأحد.

وألا يجعلوا المأساة تطفئ نور المنبر.

انفجر حسن بالبكاء.

أما الشاب فظل واقفاً ينتظر الحكم.

انتظر غضباً أو شتماً أو طرداً.

لكن الشيخ نهض من مكانه.

واحتضنه أمام الجميع.

فارتفعت أصوات البكاء في المجلس.

وفي تلك الليلة شعر الجميع أن المنبر لم يكن مجرد خشبة يقف عليها الخطباء.

كان مدرسة تصنع الرجال.

وجسراً تعبر عليه القيم من جيل إلى جيل.

وكان الطفل الذي جلس يوماً عند الباب حاملاً حذاء أبيه قد أصبح منارة جديدة تضيء الطريق للآخرين.

ولهذا بقي المنبر حياً.

فكلما رحل جيل جاء جيل آخر يحمل الراية.

وكلما ظن الطغاة أنهم أسكتوا صوتاً، خرجت أصوات جديدة من بين الركام.

تعلن أن النور لا يُعدم.

وأن المنير يبقى منيراً مهما اشتد الظلام.