الجمعة - 19 يونيو 2026
منذ أسبوعين
الجمعة - 19 يونيو 2026

طه حسن الأركوازي ||

 

 

 

في الشرق الأوسط لا تُقرأ الأحداث الكُبرى بمعزل عن سياقها السياسي الأوسع ، فكُل ضربة عسكرية تحمل رسالة ، وكُل رسالة دبلوماسية تخفي وراءها حسابات تتجاوز ظاهر الكلمات ،

لذلك فإن أي تحرك سياسي أو عسكري بين الولايات المتحدة وإيران لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة مُنفصلة ، بل بأعتباره جُزءاً من صراع طويل ومُعقد تتداخل فيه أعتبارات القوة والنفوذ والأمن الإقليمي ومُستقبل التوازنات الدولية .

التطورات الأخيرة التي شهدتها المنطقة ، سواء ما يتعلق بالضربات المُتبادلة والتوترات حول مُضيق هرمز أو الحديث عن رسائل غير مُباشرة نُقلت عبر أطراف إقليمية ، تعكس حقيقة أن العلاقة بين واشنطن وطهران ما زالت تتحرك ضمن مُعادلة دقيقة تجمع بين التصعيد والاحتواء في آن واحد ، فالأطراف المُتصارعة تُدرك أن الانزلاق إلى مُواجهة شاملة قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها ، لكنها في الوقت ذاته تحرص على عدم الظهور بمظهر الطرف المُتراجع أو الضعيف أمام خصومه وحُلفائه .

ومن هنا يمكن فهم أي رسالة تُنقل عبر وسيط إقليمي على أنها جزء من إدارة الأزمة أكثر من كونها مُقدمة لإنهائها ، فالوساطات لا تنشط عادة عندما تصل التوترات إلى مُستويات تستدعي وجود قنوات أتصال تمنع سوء التقدير وتحول دون توسع دائرة الصراع ء، لذلك فإن أهمية الرسالة لا تكمن فقط في مضمونها ، بل في توقيتها والظروف التي جاءت فيها ، خصوصاً في مرحلة تشهد تصاعداً ملحوظاً في الضغوط السياسية والعسكرية المفروضة على إيران .

خلال السنوات الأخيرة أصبحت إيران تواجه بيئة أستراتيجية أكثر تعقيداً مما كانت عليه سابقاً ، فالعقوبات الاقتصادية ما زالت تُشكل عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد الإيراني ، والملف النووي تحول إلى محور رئيسي في العلاقات بين طهران والغرب ، فيما تسعى إسرائيل بأستمرار إلى منع أي تطور يُمكن أن يمنح إيران قُدرة أستراتيجية إضافية قد تؤثر في ميزان القوى الإقليمي ، وفي المُقابل ترى طهران أن الضغوط المُتواصلة ليست مُجرد مُحاولة لتقييد برنامجها النووي ، بل جُزء من مشروع أوسع يهدف إلى تقليص نفوذها الإقليمي وإضعاف موقعها الجيوسياسي .

أما الولايات المتحدة فتتعامل مع الملف الإيراني من منظور مُختلف ، فهي لا تنظر إلى البرنامج النووي بأعتباره قضية تقنية فحسب ، بل بأعتباره ملفاً يرتبط بأمن المنطقة وحلفائها ومصالحها الاستراتيجية ، ولذلك تواصل الجمع بين سياسة الضغط وسياسة إبقاء باب التفاوض مفتوحاً ، أملاً في الوصول إلى أتفاق يضمن عدم تحول إيران إلى قوة نووية عسكرية ، مع تجنب الانجرار إلى حرب مُباشرة واسعة النطاق .

وفي خضم هذه المُعادلة تقف إسرائيل بوصفها الطرف الأكثر حساسية أتجاه أي تطور في القُدرات الإيرانية ، فتل أبيب ترى أن الوقت يعمل ضدها كُلما تقدمت طهران في برامجها التقنية والعسكرية ، ولهذا تُفضّل الإبقاء على مُستوى مُرتفع من الضغوط السياسية والأمنية لمنع حدوث تحولات أستراتيجية قد يصعب أحتواؤها مُستقبلاً .

لكن اللافت في المشهد الراهن أن جميع الأطراف ، رغم خطابها التصعيدي ، تبدو حريصة على إبقاء الصراع ضمن حدود محسوبة ، فإيران لا ترغب في حرب شاملة تستنزف قُدراتها الاقتصادية والعسكرية ، والولايات المتحدة تدرك أن أي مُواجهة مفتوحة قد تُهدد أستقرار المنطقة وأسواق الطاقة العالمية ، بينما تعرف إسرائيل أن الحرب الواسعة قد تحمل تداعيات يصعب التنبؤ بنتائجها .

لهذا تبدو الرسائل الدبلوماسية والوساطات الإقليمية وكأنها الوجه الآخر للضربات العسكرية ، فحين ترتفع وتيرة التوتر ، تتحرك قنوات الاتصال الخلفية لمنع أنهيار التوازن الهش الذي يحكُم العلاقة بين الخصوم ، وما يجري اليوم لا يوحي بوجود قرار نهائي للحرب بقدر ما يعكس مُحاولة مُستمرة لتحسين شروط التفاوض وفرض وقائع جديدة على الأرض قبل العودة إلى طاولة الحوار .

إن جوهر الصراع الحالي لا يتمثل في مواجهة عسكرية مُباشرة بقدر ما يتمثل في صراع إرادات طويل الأمد ، فواشنطن تسعى إلى دفع طهران نحو تقديم تنازلات أستراتيجية ، بينما تحاول إيران إثبات قُدرتها على الصمود ، ورفع كُلفة الضغوط المفروضة عليها ، أما إسرائيل فتسعى إلى منع أي تسوية تعتقد أنها قد تمنح إيران مساحة أوسع للحركة مُستقبلاً .

وفي ضوء المعطيات الحالية ، لا يبدو أن المنطقة تتجه نحو سلام مُستدام أو حرب شاملة ، بل نحو مرحلة طويلة من التنافس الاستراتيجي المحكوم بضوابط دقيقة ،
فإيران تدرك أن التراجع الكامل تحت الضغط سيُفسّر بأعتباره هزيمة سياسية وأستراتيجية ، بينما تدرك الولايات المتحدة أن سياسة الإكراه وحدها لم تنجح في تغيير السلوك الإيراني بصورة حاسمة ، أما إسرائيل فتواصل السعي إلى إبقاء إيران تحت ضغط دائم لمنعها من تحويل قُدراتها العلمية والتقنية إلى عناصر قوة قد تغيّر موازين الردع في المنطقة .

والمفارقة أن جميع الأطراف تتحدث بلغة القوة ، لكنها تتحرك في الواقع ضمن حسابات تمنعها من الذهاب بعيداً نحو المُواجهة المباشرة ، فالحرب الشاملة قد تُشعل الخليج ، وتُربك أسواق الطاقة العالمية ، وتفتح ساحات صراع مُتعددة تمتد من شرق المتوسط إلى بحر العرب ، ولهذا تبدو الرسائل السرية والوساطات الإقليمية والتحركات الدبلوماسية المُتسارعة جُزءاً من معركة موازية لا تقل أهمية عن التحركات العسكرية نفسها .

في المُحصلة .. إن ما تشهده المنطقة اليوم ليس صراعاً على ملف نووي فحسب ، بل صراعاً على شكل النظام الإقليمي ومُستقبل موازين القوة فيه ، وبينما تتبادل العواصم الرسائل والإنذارات ، يبقى السؤال الأهم هو هل ستنجح الدبلوماسية في تحويل هذه المواجهة إلى تسوية سياسية جديدة ، أم أن تراكم الأزمات وسوء التقدير سيدفع الجميع إلى مواجهة لم يكن أحد يرغب بها .؟

وحتى تتضح الإجابة ستبقى المنطقة مُعلقة بين “منطق الردع” و”منطق التفاوض” في حرب باردة تزداد سخونة كُلما أقتربت من حافة الانفجار .

فالصراع “الأمريكي ـ الإيراني ـ الإسرائيلي” لم يعد مُجرد خلاف حول برنامج نووي أو نفوذ إقليمي ، بل أصبح أختباراً لمُستقبل التوازنات في الشرق الأوسط بأكمله ، وبينما تسعى الأطراف الثلاثة إلى تعزيز مواقعها وتحسين شروطها التفاوضية ، يبقى الاحتمال الأكثر ترجيحاً هو أستمرار سياسة “الضغط المتبادل تحت سقف الحرب” ، حيث تُستخدم العقوبات والرسائل والضربات المحدودة وأوراق النفوذ المختلفة كبدائل عن المواجهة الشاملة .

إنها حرب باردة بنكهة شرق أوسطية لا سلام يحسمها ، ولا حرب تنهيها ، بل صراع مفتوح على الزمن وعلى موازين القوة وعلى المنطقة في السنوات الماضية …!