بين يدي عيد الغدير الأغر (4) تكملة في المراد من اكمال الدين وإتمام النعمة..!
الشيخ حسن عطوان ||

الاشكال بالسياق :
بعضهم يردّ على التفسير الشيعي للآية الكريمة بأنَّه على خلاف السياق ، إذ وردت في وسط آية تتحدث عن أحكام اللحوم ؟!
قال جلَّ وعلا :
( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّـهِ بِهِ وَ الْمُنْخَنِقَةُ وَ الْمَوْقُوذَةُ وَ الْمُتَرَدِّيَةُ وَ النَّطِيحَةُ وَ ما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ وَ ما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَ اخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .
وجوابه : أنَّ السياق إنّما يُرجع إليه عندما لا تكون هناك قرينة على خلافه ، وكل القرائن المتقدمة تدل على أنَّ آية إكمال الدين هي آية مستقلة قد حُشرتْ في آية أحكام اللحوم حشراً بحيث لو رُفِعتْ فالسياق يبقى متصلاً ولم ينقص من معنى الآية شيء .
ويشهد لذلك أنَّ الآية المباركة بعد أنْ قالت : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) عادت لتذكر أحكاماً أخرى ، بل بقي نزول الأحكام متواصلاً بعدها .
أمّا مّن هو الذي وضعها هنا في وسط آية اللحوم ؟؟
هل هو الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلَّم ) حفظاً لها من الحذف أو التحريف ؟؟
أم هم الصحابة من بعده ليزيفوا معناها وليوجهوها الى غير مصداقها ؟!
قولان مبْنيّان على الخلاف في مسألة مَن هو الذي جمع القرآن ؟؟
هل هو الرسول الأكرم أم هو أحد الخلفاء من بعده ؟؟
والبحث مستفيض في علوم القرآن ، وليس هنا محله .
لكن الراجح عندي اجمالاً : أنَّ الرسول الأكرم هو الذي جمع القرآن الكريم ، وهو الذي وضع هذه الآية المباركة هنا ؛ حفظاً لها من الحذف أو التحريف .
🖋 والمهم هنا أنْ نطرح وجهة نظر القوم في واقعة الغدير ، إذ إنَّ مدرسة الخلفاء قالت ولم تزل : إنَّ الرسول لم يوصِ لأحد ، بل ترك الأمر شورى للأمة ، فهي أمة رشيدة قادرة على أنْ تختار لنفسها !
فالرسول لم ينصب علياً كإمام وخليفة من بعده ، غاية ما هنالك أنّه أوصى بمحبته ومودته .
🖋 والجواب :
أنّه حتى لو أغمضنا النظر عن كل ما تقدم ، وأغمضنا النظر ايضاً عن أحاديث الدار والثقلين والمنزلة وغيرها .
وأغمضنا النظر عن أنَّ الوصية بالمحبة والمودة بين المؤمنين لا تحتاج إلى كل هذا الإهتمام والتأكيد .
🖋 فنقول : إنَّ الأمر لا يخلو أمّا أنَّ النبي الأكرم قد ترك أمر قيادة الأمة من بعده ، ولم يتطرق إليه أصلاً ، أو أنّه قد تطرق إليه ، والأول غير معقول لقائد الهي يهمه جداً مصير الإسلام الذي جاهد لأجل ترسيخه ، يشهد لذلك أنّه يأمر أسامة بالخروج في جيش مع أنّه في حينها كان على فراش الموت .
🖋 فإذا كان من حرص الخليفة الأول على الرسالة أنْ أوصى بالخليفة من بعده ،
ومن حرص الخليفة الثاني أنْه اختار ستة ، أرجع لهم أمر اختيار الخليفة ، فهل كان الخليفتان أحرص من الرسول على رسالته ؟؟!
🖋 وإنْ قيل إنَّ الرسول لم يترك أمر الرسالة والأمة من بعده ، انما أبلغ الصحابة أنَّ الخلافة شورى ، فالأمر للأمة تختار مَن تشاء !
فإذا كان الأمر كذلك وأنَّ الرسول قد ثَقَّف أصحابه على الشورى ، فنسأل :
🖋 أولاً : أين هذه النصوص العديدة والتأكيد المستمر على مبدأ الشورى ، لا سيّما وأنَّ هذا المبدأ جديد على المسلمين فيحتاج هذا إلى تأكيدٍ ومزيد عناية في التثقيف عليه .
🖋 وثانياً : إذا كان الرسول قد أوصى بالشورى وثَقَّف عليها ، فلماذا لم يعمل الخليفتان الأول والثاني بمبدأ الشورى ، بل أوصى الأول للثاني ، وأوكل الثاني أمر اختيار الخليفة لستة ، جعل أحدهم أمير المؤمنين ، وهو أمر أوجع قلبه كثيراً سلام الله عليه ، إذ يقول في ذلك في خطبته الشِّقشِقيّة :
( مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ النَّظَائِرِ ) !!
🖋 لو كانت نظرية أنَّ الرسول لم يوصِ لأحدٍّ صحيحة ، فلماذا أوصى الأولان ، ولم يتركوا الأمر شورى في الأمّة ، في الوقت الذي يُفترض أنَّ تلك الأمّة قد إزدادت تجربة وخبرة ورشداً ؟!
أم انّهما أكثر إهتماماً وحرصاً من رسول الله على مصير الرسالة ؟!!
فلا يبقى إلّا أنْ يكون الرسول قد نصَّبَ شخصاً .
🖋 ولم يدّعَ أنّه ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) قد نصّب غير عليٍّ ، فلا مناص من أنَّ الرسول وبعد أنَّ أشار لعليٍّ في عدة مواقف ، كما في أحاديث الدار والمنزلة والثقلين وغيرها ، عاد ليؤكد التنصيب في واقعة غدير خم ، بلفظ صريح ، وأمام الجموع الغفيرة من المسلمين .
🖋 وأراد ايضاً أنْ يحيط ذلك التنصيب بأجواء لتأكيد أهميته ، إذ أمر بأنْ يُصْنَع له مرتفع ،
وفي وقتٍ شديد الحر ، وأمر بإرجاع السابق لمسيرة المسلمين ، وإلحاق المتأخر عنها.
هذا ما حصل في واقعة يوم الغدير ، وهو الذي تتحدث عنه الآية الكريمة مورد البحث .
🖋 وتوجد قرائن عديدة تؤيد ما يذهب إليه الشيعة من أنَّ المقطع المُشار إليه في الآية مورد البحث يتحدث عن تنصيب عليٍّ ( عليه السلام ) إماماً للأمة وقائداً لها بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) ، منها :
أنَّ الله سبحانه قال : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ) .
🖋 فما هو الفرق بين الاكمال والإتمام ؟؟
الفرق بين الكلمتين :
إنَّ ( الإتمام ) يُطلق حيث يأتي آخر أجزاء الشيء المتتابعة بعضها وراء بعض ، بحيث يقال لذلك الشيء إنّه ناقص إذا لم تترتب أجزاؤه تلك كلها ، فإذا انضم إليه آخر الأجزاء فسيقال إنّه تم ذلك الشيء .
أمّا في ( الاكمال ) فالأمر ليس كذلك ، فقد لا يكون في الشيء جزء ناقص ليقال له ( غير تام ) ، ولكنّه مع ذلك قد يقال له إنّه غير كامل .
فالاختلاف بين التام والكامل هو اختلاف بين الكمي والنوعي .
مثال ذلك : الجنين في بطن أمه ، فهو يصل إلى حد التمام ، حيث تتم أجزاؤه ويستوي هيكله ، ثم يولد ويكون طفلاً تاماً ، ولكنّه لا يكون إنسان كاملاً ، أي لا يتحلى بذلك النضج الذي يجب أنْ يتحلى به الإنسان .
وعملية النضج هي شيء يختلف عن كون الشيء يفتقر إلى جزء ناقص .
وفي مورد بحثنا قال سبحانه ( أكملتُ ) و ( أتممتُ ) ، أمّا الإتمام فيمكن أنْ يصدق على أحكام شرعية في حليّة بعض اللحوم وحرمة بعضها الآخر ، ونحن وإنْ قلنا إنَّ الأحكام المشار اليها في الآية ليست هي آخر ما نزل من أحكام ، ليقال إنَّ الآية تتحدث عن إتمام الأحكام الشرعية ، لكننا نغض النظر عن ذلك هنا تَنَزُّلاً ، ونقول إنَّ التعبير بالإتمام قد يصدق على الأحكام الشرعية التي تتحدث عنها الآية المباركة .
ولكن التعبير بالاكمال يتحدث عن قضية نوعية بتحققها كَمُلَ الدين ، وقبلها كان ناقصاً ، ومثل هذه الإضافة النوعية لا يمكن أنْ نتعقل أنّها إضافة مجرد أحكام شرعية بشأن اللحوم .
هذه الإضافة النوعية لا يمكن أنْ تكون إلّا قضية بمستوى إمامة الأمّة وقيادتها بعد الرسول الأكرم .
سلام الله عليك يا أبا الحسن
يوم ولدت ..
ويوم ظُلم المسلمون بإبعادك ..
ويوم أُستُشهِدت ..
ويوم تُبعَث لتقف بين يدي الله سبحانه مع مَن ظلمك .
[ حسن عطوان ]
تم تنقيحه في 18 / ذو الحجة / 1445 هج .
https://t.me/+dfbSHH50x3c1MjE6




