الجمعة - 19 يونيو 2026

يوم الغدير هل هو عيد كالفطر والأضحى ؟!

منذ أسبوعين
الجمعة - 19 يونيو 2026

محمد مكي آل عيسى ||

 

 

 

يقول علماء اللغة “سمّي العيد عيداً لأنّه يعود كلّ سنة بفرح مجدّد” فارتبط اسم العيد بالفرحة دائماً والاستبشار والسرور فتطلق الأمم على بعض الأيّام لفظة العيد لأنّ في ذلك اليوم حدث مهمٌّ خصّهم فيه خير كثير تتكرر ذكراه كلّ سنة فيحتفلوا بذلك اليوم وبالنفع الّذي وصلهم منه شاكرين لتلك النعمة ممتنّين للمنعم بها عليهم.

يقول العلّامة الطباطبائي “والعيد عند قوم هو اليوم الذي نالوا فيه موهبة أو مفخرة مختصة بهم من بين الناس” ولم يذكر شرط التكرار والعودة

وعلى هذه الطريقة مضت الأمم وسارت في ثنايا التاريخ تحتفي بذكرياتها المهمّة مستلهمة منها الدروس والعبر ولتخلّد عطاءً جمّاً يقدّمه بعض أفرادها ، وبالتأكيد فإنّ الأمّة الّتي تكون أكثر حرصاً على التفاعل مع مناسباتها وأعيادها هي أمّة تعترف بالفضل ولا تنسى الجميل ولا تنكر صنائع المعروف .

فأصبح لكل بلد عيد للتأسيس أو عيد للاستقلال .. أصبح عندنا عيداً للمعلّم وعيداً للعمّال وعيداً للأم .. وعيداً للميلاد وغيرها كثير.

وليس بعيداً عنّا حيث استحدث في العراق عيد للنصر على تنظيم داعش الأمريكي الإرهابي يحتفل فيه العراقيون الشرفاء بتحرير محافظاتهم السليبة . . ولم يكن هذا العيد موجوداً قبل 2017 م كما يحتفل الشرفاء من العراقيين في كل عام بذكرى اعدام طاغية العراق وعصره وهكذا.

وبعد الهجرة النبوية الشريفة وتمكّن الإسلام من إنشاء دولته على يد خاتم الأنبياء والمرسلين مرّ المسلمون بمواقف فيها شيء من السرور والبهجة وتستحق أن يحفل بها كما في وصول الرسول الكريم إلى المدينة عند الهجرة في شهر ربيع وعند انتصارهم في بدر وفتح مكّة وغيرها من المناسبات .

ومع هذه المناسبات المرتبطة بأحداث دنيوية ومواقف حسّيّة فقد شرّع الإسلام عيدين لا ارتباط لهما بالشؤون الدنيوية وإنّما هما عيدان يرتبطان بتكاليف مهمّة يؤدّيها المسلمون فيكون يوم إتمامها يوماً لاستلام الجوائز منه تعالى بالمغفرة والرحمة وهما الفطر والأضحى.

أمّا الغدير فلم يكن هناك مسوّغ لتشريعه عيداً إلّا متزامناً مع حدث الإعلان وبعده أمّا قبل ذلك فسيكون الأمر عبثيّاً .

ولكي نرى مدى صحّة اعتبار يوم الغدير عيداً كان علينا أوّلاً أن نراجع ما وردنا نقلاً عن أهل بيت العصمة ع فقد وردنا عن صادق أهل البيت ع حين سئل هل للمسلمين عيد غير يوم الجمعة والأضحى والفطر؟ قال: نعم أعظمها حرمة، قال الراوي: وأي عيد هو؟ قال: اليوم الذي نصب فيه رسول الله أمير المؤمنين .

وفي رواية أخرى يقول :” نعم، أفضلها وأعظمها وأشرفها عند الله منزلة.”

وفي رواية أنه ص أوصى أمير المؤمنين ع أن يتّخذه عيداً ، وفي رواية الإمام الرضا صلوات الله عليه للبزنطي يبين تكرار فضل هذا اليوم على مر السنين بقوله “يا ابن أبي نصر أينما كنت فاحضر يوم الغدير عند أمير المؤمنين (عليه السلام) فانّ الله تبارك وتعالى يغفر لكلّ مؤمن ومؤمنة ومسلم ومُسلمة ذنوبُ ستّين سنة، ويعتق من النّار ضعف ما اعتق في شهر رمضان وليلة القدر وليلة الفطر، والدرهم فيه بألف درهم لإخوانك العارفين، وأفضل على اخوانك في هذا اليوم وسُرّ فيه كلّ مؤمن ومؤمنة، والله لو عرف النّاس فضل هذا اليوم بحقيقته لصافحتهم الملائكة في كلّ يوم عشر مرّات.

وهذه الروايات كفيلة ببيان اعتبار هذا اليوم عيداً ليس باجتهاد مجتهد ولا باتفاق أمّة وإنما بنصوص صريحة صادرة عن أهل بيت العصمة والّتي لا يبقى أمامها رأي أو اجتهاد
ولو سرنا بما تعارفت عليه الأمم باعتبارها لأعيادها لرأينا أن الغدير حدث استغرق ثلاثة أيام تخللته بيعتان واحدة للرسول الكريم والثانية للخليفة من بعده.

فلم يكن حدثاً عابراً مرّ مرور الكرام بل حدث حضرة عشرات الألوف من حجاج بيت الله الحرام.

وقد شاء الله أن يرحل رسوله الكريم صلوات الله عليه بعد أقل من ثلاثة شهور وقبل أن تدور سنة كاملة على هذا الحدث لنرى كيف كان رسول الله صلوات الله عليه ليحتفي بهذه الذكرى.

كما أن صاحب الحقّ السليب لم يكن ليمكّن من الاحتفال تحت سلطة من انقلب على بيعته في الغدير . . وهل ستحتفي بذلك السلطة المنقلبة على نفس المناسبة ؟! وقد ورد أن الإمام علي ع في فترة خلافته احتفل بهذا اليوم وأقام في بيت الإمام الحسن ع وليمة كبيرة وألقى خطبة يذكر فيها شأن هذا اليوم سميت بالمحفليّة وبالتأكيد فإنّ الظرف السياسيّة للبيئة الّتي عاش فيها الأئمّة من بعدهم عليهم السلام كانت تلقي بظلالها على تحرّكاتهم ع بما لا يسمح لهم بالمجاهرة بالاحتفال حتّى احتفل بهذا العيد الإمام الرضا صلوات الله عليه في فترة ولايته للعهد حيث خدمه الظرف السياسي حينها.

“روى المؤرخون والمحدثون، كأحمد بن محمد بن أبي نصر، أنه كان في مجلس الإمام الرضا (عليه السلام) يوم الغدير، وكان المجلس غاصاً بأهله. وقد اعتاد (عليه السلام) في ذلك اليوم أن يدعو أصحابه وخاصته لتناول الطعام عنده، وأمر بتهيئة الهدايا وتوزيع الثياب والدنانير على من حوله من الصبيان والخدم، لإدخال البهجة والسرور في قلوبهم.”

ولو أتيح المجال لباقي الأئمة عليهم السلام لوجدناهم يحتفلون بهذا اليوم وبمظاهر واضحة لإيصالها رسالة لكل من لم يعلم بها.

ثمّ إنّ من حقّ كلّ الامّة الإسلاميّة أن تحتفل بهذا اليوم لأنّه كان يوماً لانتصار الإسلام النهائي على جميع أعدائه ومناوئيه يوم الغدير هو انعطافة تاريخية في مسيرة الإسلام تؤسّس لظهوره على الدين كلّه تؤسّس لعالميّته وخلوده ، انتقالة تعطيه نَفَسَ الاستمرار في ظلّ كلّ التحدّيات ، يوم الغدير يوم إعلانٍ للعالم أجمع أن الإسلام لن يمحى وان الله تعالى وفّر له حملة يحملونه ويحمونه إلى يوم الدين . . يوم الغدير هو يوم عرّفه القرآن بقوله “اليوم يئس الّذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم ” فكل من كان عدوّاً لهذا الدين لن يرضى بأن يكون هذا اليوم يوم عيد للإسلام.

فليس غريباً أن نرى من لا يعنيهم الامر أن نرى من غير المسلمين من يتصدّى لإنكار هذا اليوم بلى فهو يعنيهم ويعنيهم كثيراً لأنّ فيه إعلان يأسهم وخسارتهم .. نعم يوم كمل فيه الإسلام وتمّت فيه النعمة لهو يوم شديد على أعداء الله ودينه كلّما مرّ ألهبتهم ناره تعالى خوارهم راجين أن يطفئوا نور الله بغرابيلهم ويأبى الله أن يتم نوره ولو كره الكافرون.