الجمعة - 19 يونيو 2026

قصة قصيرة … بعنوان … علي أول خليفة بعد النبي …!

منذ أسبوعين
الجمعة - 19 يونيو 2026

جليل هاشم البكاء ||

 

 

 

في مساءٍ من أمسيات ذي الحجة المباركة، كان بيت الجد الكبير يضج بالحياة. الأعلام الخضراء تزين الجدران، وأشرطة الزينة تتدلى من السقف، ورائحة الهيل تفوح من أباريق الشاي التي أعدتها الجدّة، بينما كان الأحفاد يتسابقون في ترتيب المقاعد استعداداً للاحتفال بيوم الغدير الأغر.

جلس الجد على أريكته الخشبية القديمة، يراقب حركة الصغار بعينين تلمعان بالفرح. كان حوله أحفاده من البنين والبنات، بعضهم يعلق الزينة، وبعضهم يجهز الحلوى، وآخرون يرددون الأناشيد الخاصة بهذه المناسبة.

اقترب حفيده الأصغر حسن وسأله:

ـ جدي، لماذا نفرح بيوم الغدير إلى هذا الحد؟

ابتسم الجد وربت على كتف حفيده وقال:

ـ تعالوا جميعاً واجلسوا، فهذه حكاية لا تُروى إلا والقلوب مجتمعة.

ترك الأطفال ما بأيديهم، وجلسوا حوله في دائرة واسعة. حتى الكبار من أبناء الجد وبناته اقتربوا ليستمعوا، وكأنهم يعودون أطفالاً من جديد.

تنهد الجد قليلاً، ثم قال:

ـ اليوم يا أحبتي ليس يوماً عادياً. إنه يوم انتقلت فيه الأمة من عهد إلى عهد، ومن مسؤولية إلى مسؤولية، ومن نور إلى نور.

ثم رفع صوته مردداً:

لقد ختم النبوة عهد طه
لعهد أمامة رفعوا لواها

عهد الأمامة قد أسس واصل
له القرآن الكريم …

سكت قليلاً، ثم تابع:

ـ تخيلوا أنفسكم معي قبل أكثر من أربعة عشر قرناً. الشمس تشرق على صحراء الحجاز، وقوافل المسلمين عائدة من حجة الوداع. كانت تلك الحجة الأخيرة التي أداها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين المسلمين.

أغمض الأطفال أعينهم وهم يستمعون.

قال الجد:

ـ كان المشهد عظيماً. عشرات الآلاف من المسلمين يسيرون مع النبي. رجال ونساء وشيوخ وشباب. كانت القلوب مملوءة بالإيمان، لكنها لم تكن تعلم أن حدثاً عظيماً ينتظرها في الطريق.

وصل الركب إلى منطقة تسمى غدير خم. وهناك جاء الأمر الإلهي بأن يتوقف الجميع.

تخيلوا حرارة الصحراء، والرمال الملتهبة، والمسافرون الذين كانوا يستعدون للتفرق نحو بلدانهم. ومع ذلك أمر النبي أن يُجمع من تقدم، وينتظر من تأخر.

ثم صعد على منبر صنع من أقتاب الإبل.

هنا توقف الجد قليلاً وقال:

ـ لم يكن الأمر إعلاناً عادياً، بل كان إعلاناً يرتبط بمستقبل الرسالة بعد ختم النبوة.

سأل حفيده علي:

ـ وماذا قال النبي يا جدي؟

أجاب الجد:

ـ خاطب الناس وذكرهم بالله، ثم رفع يد الإمام علي عليه السلام أمام الجميع حتى بان بياض إبطيهما، وأعلن منزلته بين الأمة.

ثم أضاف:

ـ وهنا يجب أن نفهم أمراً مهماً. النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو خاتم النبيين، فلا نبي بعده. لكن الأرض لا تخلو من حجة لله على خلقه.

فتح الجد مصحفاً صغيراً كان بجانبه وقال:

ـ ولهذا نجد القرآن الكريم يتحدث عن الإمامة منذ زمن إبراهيم عليه السلام:

وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين.

ثم تابع شارحاً:

ـ النبوة شيء، والإمامة شيء آخر. إبراهيم كان نبياً قبل هذه الآية، ثم منحه الله مقام الإمامة. ولذلك استمرت الحجة الإلهية عبر الأنبياء والأوصياء.

قالت حفيدته زهراء:

ـ إذن ماذا حدث بعد رسول الله؟

أجاب الجد:

ـ ختم الله عهد النبوة بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبقيت الحجة الإلهية عبر الإمامة. وكان الإمام علي عليه السلام أول الأئمة بعد النبي، وأول خليفة له بحسب هذا الفهم.

ثم أضاف:

ـ وعندما مرت السنوات ووصل الأمر إلى مقتل عثمان، صار الإمام علي عليه السلام أول خليفة من خلفاء المسلمين بعد النبي يصل إلى الحكم بنفسه ويتولى إدارة الدولة مباشرة، ليبدأ عهداً حاول فيه إعادة العدالة إلى المجتمع الإسلامي رغم ما واجهه من تحديات وصراعات.

كان الأطفال ينصتون بإعجاب.

قال الجد:

ـ تصوروا علياً وهو يدخل بيت المال فلا يفرق بين قريب وبعيد، ولا بين غني وفقير. وتصوروه وهو يحمل الطعام للفقراء ليلاً دون أن يعرفه أحد. وتصوروه وهو يقول إن قيمة السلطة عنده لا تساوي شيئاً إذا لم تكن وسيلة لإقامة الحق.

ثم عاد بصوته الهادئ إلى أجواء الغدير:

ـ في ذلك اليوم لم يكن المسلمون يحتفلون بشخص فقط، بل كانوا يحتفلون باستمرار الهداية بعد .

ثم أنشد:

محمد أتم الدين نوراً
وعلي بعده أمسى سناها

إذا غاب النبي عن البرايا
فنهج الحق يبقى في ذراها

نظر الأحفاد إلى الزينة المعلقة حولهم، وإلى الأضواء التي بدأت تتلألأ مع حلول المساء.

قال الجد:

ـ ولذلك نفرح اليوم. نفرح لأن الغدير يذكرنا بأن رسالة السماء لم تُترك بلا هداية، وأن الحق يحتاج دائماً إلى من يحمله ويصونه.

في تلك اللحظة ارتفع أذان المغرب من المسجد القريب، وبدأت الأنوار تضيء أرجاء البيت.

نهض الأطفال يحملون الحلوى والأعلام، بينما ظل صوت الجد يتردد في قلوبهم:

ـ تذكروا دائماً أن الغدير ليس ذكرى من الماضي فقط، بل دعوة للعدل والوفاء والصدق والشجاعة، وهي القيم التي عاشها الإمام علي عليه السلام وجعلها طريقاً للأمة.

ومع بدء الاحتفال، شعر الأحفاد وكأنهم عادوا حقاً إلى ذلك اليوم البعيد في غدير خم، حيث اجتمعت القلوب حول رسالة السماء، وبدأ فصل جديد من تاريخ الإسلام.