السبت - 20 يونيو 2026
منذ 3 أسابيع
السبت - 20 يونيو 2026

غفار عفراوي ||

 

 

 

يبقى الدكتور علي الوردي (1913 – 1995) أيقونة علم الاجتماع العراقي والعربي، والمفكر الذي امتلك جرأة تفكيك بنية المجتمع وتحليل سلوكياته خارج الأطر الأكاديمية الجافة.
وفي كتابه الفذ “مهزلة العقل البشري”، لا يقف الوردي عند السطح، بل يغوص في الأعماق النفسية والاجتماعية ليفكك ما يمكن تسميته بـ “اللاوعي الجمعي” للإنسان العربي.
ويُعد علي الوردي أحد أبرز المفكرين العرب الذين حاولوا قراءة المجتمع قراءةً مختلفة، بعيداً عن المثالية والتنظير المجرد. فقد انطلق من الواقع كما هو، لا كما ينبغي أن يكون، وسعى إلى كشف التناقضات التي تحكم سلوك الإنسان والمجتمع.
ولا يتعامل الوردي مع العقل بوصفه أداةً محايدة دائماً، بل يراه خاضعاً في كثير من الأحيان للأهواء والعادات والبيئة الاجتماعية. ومن هنا جاءت تسمية الكتاب؛ فالمهزلة ليست في العقل ذاته، وإنما في الطريقة التي يستخدمه بها الإنسان للدفاع عن قناعاته المسبقة وتبرير أخطائه وأوهامه.
أول ما يلفت النظر في الكتاب هو حديث الوردي عن الصراع بين الموروث والتجديد. فالإنسان بطبيعته يميل إلى ما اعتاد عليه، ويشعر بالأمان في الأفكار التي نشأ عليها، لذلك يقاوم التغيير حتى عندما يكون التغيير أكثر انسجاماً مع المنطق أو المصلحة العامة.
ويؤكد الوردي أن كثيراً من الصراعات الفكرية لا تنشأ بسبب البحث عن الحقيقة، بل بسبب التمسك بالمواقف الموروثة والخوف من مراجعتها. كذلك يتوقف عند تأثير المجتمع في تشكيل التفكير الفردي. فالفرد لا يعيش بمعزل عن محيطه، بل يتأثر بمنظومة واسعة من القيم والعادات والتقاليد التي تحدد له ما ينبغي أن يؤمن به وما يجب أن يرفضه. وفي المجتمعات التقليدية يصبح الرأي الجماعي قوة ضاغطة قد تدفع الإنسان إلى التخلي عن استقلاله الفكري خشية العزلة أو الرفض الاجتماعي.
ويتناول الوردي أيضاً العلاقة بين الدين والتفكير الإنساني، مؤكداً أن المشكلة لا تكمن في الدين بوصفه منظومة روحية وأخلاقية، وإنما في استغلاله لتكريس الجمود الفكري أو خدمة المصالح السياسية. ومن هنا جاءت انتقاداته الشهيرة لما أسماهم “وعاظ السلاطين”، الذين يحولون الخطاب الديني من وسيلة للإصلاح إلى أداة لتبرير الواقع القائم ومنع أي محاولة للتغيير وقد ناله منهم الكثير من الإتهامات المبالغ بها.
أما في تحليله للمجتمع العراقي، فيطرح الوردي فكرته المعروفة عن الازدواجية الاجتماعية، إذ يرى أن العراقي يعيش بين منظومتين من القيم؛ قيم البداوة التي تمجد العصبية والقوة، وقيم الحضارة التي تقوم على النظام والتسامح والتعايش. وينتج عن هذا التداخل نوع من التناقض في السلوك والمواقف، يجعل الفرد يتبنى قيماً معينة نظرياً، ثم يتصرف بطريقة مختلفة عملياً.
ومن الأفكار المهمة التي يعالجها الكتاب أن الإنسان غالباً ما يبحث عما يؤيد قناعاته أكثر مما يبحث عن الحقيقة نفسها. لذلك يصبح العقل أحياناً محامياً بارعاً يدافع عن المعتقدات الموروثة بدلاً من أن يكون قاضياً عادلاً يزن الأمور بموضوعية. وهذه الفكرة ما زالت تحتفظ بقوتها الرهانية في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتشكل فقاعات فكرية مغلقة تعزز القناعات المسبقة وتحد من الحوار الحقيقي.
ويخلص الوردي إلى أن التقدم لا يتحقق بالشعارات أو الأمنيات، وإنما بنشر التعليم النقدي الذي يعلّم الإنسان كيف يفكر، لا ماذا يفكر. فالمجتمعات التي تفسح المجال للنقد والمراجعة والتعددية هي الأقدر على التطور ومواكبة التحولات التاريخية.
إن “مهزلة العقل البشري” ليس مجرد كتاب في علم الاجتماع، بل محاولة جريئة لفهم النفس البشرية وكشف الآليات الخفية التي تحكم أفكارها ومواقفها. وعلى الرغم من مرور عقود على صدوره، فإن كثيراً من القضايا التي طرحها علي الوردي ما زالت حاضرة بقوة في واقعنا العربي، الأمر الذي يمنح هذا الكتاب قيمة فكرية متجددة ويجعله واحداً من أهم الكتب التي تستحق القراءة والتأمل.

إن كتاب”مهزلة العقل البشري” _ الذي قرأته شخصيا أكثر من مرة _ ليس مجرد كتاب تاريخي كُتب في منتصف القرن العشرين وانتهى الأمر، بل يمكننا اعتباره مبضع جراح سوسيولوجي ما زال يشخص واقعنا وثقافتنا الراهنة بدقة مذهلة تحتاج إلى التفاعل والتناغم معها ومن ثم جني الثمار الناضجة.

2026
#علي_الوردي #مهزلة_العقل_البشري #علم_الاجتماع #غفار_عفراوي