الجمعة - 19 يونيو 2026
منذ 3 أسابيع
الجمعة - 19 يونيو 2026

الشيخ مازن الولائي ||

 

 

 

( هُوَ ٱلَّذِی خَلَقَكُم مِّن طِینࣲ ثُمَّ قَضَىٰۤ أَجَلࣰاۖ وَأَجَلࣱ مُّسَمًّى عِندَهُۥۖ ثُمَّ أَنتُمۡ تَمۡتَرُونَ ) الأنعام ٢.

سياحة ترفية ومقاربة خيالية بين ‘نزاهة الطين ولؤم الاسمنت والتكنلوجيا’..

لو كان غير “الطين” شريف يستحق الذكر لما اقتصرت عليه الآية انفة الذكر! ولو كان هناك مساوى للطين لما تعداه القرآن..

في البدء كان الطين، منه جُبلنا وإليه نعود. ولم يكن الطين في تاريخ أجدادنا مجرد مادة للبناء، بل كان عهداً وميثاقاً وحياة نقية نمارسها.

ناري ونار الجار واحدة.
وَإِليهِ قبلي تُنزل القدرُ.
ما ضَرَّ جاري إِذ أَجاوره.
أَن لا يَكون لبيته سترُ.
أَعمى إِذا ما جارتي خرجت.
حتىّ يواري جارتي الخدرُ

كان كائناً حياً يتنفس الصدق، ويفيض بالحنان، ويمتلئ بالمروءة والشرف ونسائه ترفل بالحياء والصيانة وقوانين العرف الحسن. كانت بيوت الطين دافئة، ليس لأن ناراً توقد فيها، بل لأن قلوب ساكنيها كانت عامرة. كانت تلك الجدران الساكنة تمتلك “عيوناً وآذاناً” تختلف تماماً عن مفهوم التجسس الحديث؛ كانت عيون حيطان الطين أمنية على ما ترى، سترةً لما تسمع. تحمي العورات، وتدفن الأسرار في جوفها اللامع ببريق البساطة، فلا تخرج الكلمة من الغرفة الصغير لتفضح صاحباً أو تكسر خاطراً، زوجة كانت أو اخا أو خل أو غيره!

أما اليوم، فنحن نعيش خلف حيطان إسمنتية صمّاء، لكنها مزخرفة أنيقة لكنها مخرومة ومطعونة “بتكنولوجيا فاضحة مخزية”. جدران اليوم لم تعد تستر أحداً؛ النوافذ الرقمية شرعت الأبواب على أدق تفاصيل البيوت، وصارت الأسرار بضاعة تُباع وتُشترى في سوق “التريندات” والافتراض، فنزعت عن البيوت هيبتها وعن الأسرار حرمتها.

شتان بين من تربى في حضن الطين ومن نشأ في ترف الزيف:
“خريجو بيوت الطين” أولئك الذين جُبلت طينتهم بالشجاعة والإقدام. كانت مياه الأمطار التي تخترق السقوف تعلّمهم الصبر، وكان شحّ المادة يصنع منهم رجالاً غيارى، سهمهم الشرف، وعنوانهم النجدة. كانوا يعرفون الله بالفطرة، ويشكرونه على رغيف الخبز الحلال نعم الحلال. كان النفاق والتعالي والانا أبعد ما يكون عنهم!

في المقابل، نجد صنفاً ممّن تربوا في العيش الوفير والرخاء المصطنع، فضاعت بوصلتهم. استبدلوا شكر النعمة بالبطر، وصاروا ‘يتنكرون للسماء، وللقيم العليا، غارقين في البحث عن الملذات الآنية، مستعدين لبيع المبادئ مقابل رفاهية زائلة.

دونك اليوم ألواناً من السياسيين الذين يملأون المشهد صخباً. هؤلاء الذين ارتقوا على أكتاف البسطاء، وادّعوا يوماً أنهم أبناء المحرومين وأبناء “الطين والمعاناة”. ما إن جفّ طينهم وتزينوا ببدلات الرخاء، حتى “خدعونا وتنكروا لأصلهم”.
نسوا شكل الأزقة القديمة، وأداروا ظهورهم للوجوه السُمّر التي منحتهم الثقة. تنكروا لنزاهة الطين التي ترفض الغدر والمداهنة والمجاملة! بل كان القلم يستحي أن يخط حرفا لناقص مروءة، واليوم يتغسل من زنا التحريف والتصفيق بحبر أسود يريه شيطانه ونفسه الإمارة بالسوء لجيني البياض!

واهمون وبنوا لأنفسهم قصوراً من عاج وإسمنت، معزولة عن آلام الناس، ليثبتوا أنهم لم يكونوا يوماً يستحقون شرف الانتماء لتلك التربة الطاهرة.

بعض هؤلاء من مختلف الأجناس ويلبسون ألوان من الأزياء مديني وديني! لكن سيبقى “الطين” رمزاً للنزاهة والطهر، وستبقى جدرانه القديمة، وإن تداعت، أشرف بآلاف المرات من بروج مشيدة بالزيف والخيانة. إنها دعوة للعودة إلى “فطرة الطين” في داخلنا، قبل أن تحولنا تكنولوجيا العصر ورخاؤه الروتيني إلى آلات إسمنتية بلا أرواح.

١٣ ذي الحجة ١٤٤٧هجري.
١٠ خرداد ١٤٠٥ش
٢٠٢٦/٥/٣١م

“البصيرة هي ان لا تصبح سهمًا بيد قاتل الحسين  يُسَدَّد على دولة الفقيه”
مقال آخر دمتم بنصر قادم .. https://t.me/mazinalwalae

خامنائيون ونستمر https://whatsapp.com/channel/0029Vb7VvHKLo4hWZ6wZa70q

Telegram (https://t.me/mazinalwalae)