الجمعة - 19 يونيو 2026
منذ 3 أسابيع
الجمعة - 19 يونيو 2026

د. عامر الطائي ||

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، أبي القاسم محمد، وعلى بيته الطيبين الطاهرين، الذين علّمونا كيف تنبض الحروف بالحق، وكيف تفيض القلوب بالوفاء والتسليم.

توقفتُ مليّاً عند الكلمات النورانية والملتفتة للسيّد الجليل آية الله السيد محمد رضا السيستاني (صان الله مهجته)، وهو يدعو المؤمنين في يوم عرفة — هذا اليوم العظيم الذي تشرئب فيه الأعناق نحو مغفرة الله — إلى ألا ننسى قوافل الشهداء الأبرار.

كلماتٌ خرجت من مشكاة الحكمة الحوزوية الواعية، التي ترى الدين كلاً لا يتجزأ؛ عقيدةً، وجهاداً، ووفاءً يتخطى الحدود ليرتفع بذكر الصالحين.

إنّ هذه الالتفاتة المباركة تفتح أمامنا نافذتين عظيمتين من نوافذ الفكر والروح:
أولاً: ثقافة الوفاء لدم الشهيد وجغرافيا التضحية

إنّ الأمة التي تنسى شهداءها أمةٌ مهددة في هويتها ووجودها. فالشهداء ليسوا مجرّد أرقام في سجلات التاريخ، بل هم الّذين بذلوا مهجهم دون الدين والوطن والعِرض، فمكّنونا من أن نمشي آمنين مطمئنين لزيارة الحسين (عليه السلام)، ومن أن نطوف بالبيت العتيق برؤوس شامخة.

حين يعجز الإنسان — وقطعاً هو عاجز — عن إيفاء الشهيد حقه، فإنّ التوجه إلى العتبات المقدسة في يوم عرفة لقراءة الزيارة المخصوصة نيابةً عنهم، أو إهداء “أشواط من الطواف” لهم في مكة المكرمة، هو أسمى تجليّات التلاحم الروحي بين عالم الأحياء وعالم الخلود. إنه تواصلٌ بالدعاء والزيارة؛ تلك الرابطة التي لا تقطعها الآجال.

وهنا نستذكر بقلوب خاشعة تلك الدماء الزاكية التي امتزجت في خندق الدفاع عن المقّدسات وكرامة الإنسان؛ شهداء العراق الأبرار الذين تفتت صخور المؤامرات على صخرة عقيدتهم وتلبية فتواهم المباركة، وشهداء إيران الإسلام الذين واكبوا المسيرة بصدق وإيثار وبذلوا الأرواح في المنعطفات العظيمة، وشهداء لبنان الصابر الأبي الذين صاغوا بدمائهم ومقاومتهم ملاحم العزة والكرامة بوجه الظلم والعدوان. إنهم جميعاً يشكلون صفاً واحداً كبنيان مرصوص في جنات النعيم.

ثانياً: ربط الشعائر بالواقع الممتد
لطالما تشرّفنا برؤية المنهج الحوزوي الرشيد وهو يوجّه بوصلة القلوب؛ فـ “يوم عرفة” وزيارة الإمام الحسين (عليه السلام) فيه هي شعيرة تعبّديّة كبرى تفيض بالثواب والعطاء الروحي. وحين تُمزج هذه العبادة بإهداء ثوابها إلى أرواح الشهداء، تتحول العبادة الفردية إلى حركة أمة واعية تتذكر تضحيات بنيها في بغداد وطهران وبيروت وكل ثغر من ثغور الكرامة.

إنّ قراءة الزيارة المخصوصة وإهداء ثوابها لهم، أو الطواف في بيت الله الحرام نيابةً عنهم، هو “شيء يسير جداً” بمقاييس المادّة، ولكنه عظيمٌ جداً في ميزان الله، ومن “أحسن وجوه استذكارهم” لأنه يبقي دم الشهيد حاضراً في أقدس البقاع وفي أعظم الأوقات.
أيها الأوفياء.. يا زوار أبي عبد الله الحسين في يوم عرفة، ويا ضيوف الرحمن في بيته الحرام:

اجعلوا من زياراتكم وطوافكم غيومَ رحمةٍ تسقي قبور أولئك الأبرار في وادي السلام، وفي مقابر الشرف في إيران ولبنان. اذكروا من غابوا لتبقوا، ومن قضوا لتكونوا. فما أجمل أن يرتفع اسم الشهيد في دعاء عرفة، وما أروع أن يُطاف به حول الكعبة بأقدام المؤمنين السائرين على نهجه.

نسأل الله تعالى أن يتقبل من الجميع صالح الأعمال، وأن يحفظ مراجعنا الأعلام، ويسدد خطى السائرين على درب الوفاء والشهادة، وأن يحشر شهداءنا مع النبيين والصديقين وحسن أولئك رفيقاً. والحمد لله رب العالمين.