الوحدة اليمنية في محاضرة قائد الثورة..!
✍️ د. عبد الله علي هاشم الذارحي ||

ستةٌ وثلاثون عامًا مرّت على إعادة تحقيق الوحدة اليمنية، وما تزال هذه المناسبة تتقد في وجدان اليمنيين كعنوانٍ للعزة والكرامة والسيادة، وكحلمٍ وطني حاول الأعداء بكل أدواتهم إسقاطه، لكنهم فشلوا أمام شعبٍ متجذر الهوية، عصيّ الإرادة، ثابت الانتماء.
وفي مستهل محاضرته الرابعة ضمن سلسلة “إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم” وضع السيد القائد الحكيم النقاط على الحروف، عندما أكد أن الوحدة اليمنية “استحقاق وإنجاز وطني كبير يجب أن يحظى دائماً بالتقدير والرعاية والحفاظ عليه وترسيخه على الأسس الصحيحة”،
مشيرًا إلى أن الخطر الحقيقي على الوحدة لم يكن يومًا في أبناء الشعب، بل في “الأطماع والحسابات الشخصية والحزبية والفئوية والارتهان للخارج”.
وهنا تتجلى الحقيقة التي حاولت قوى الهيمنة طمسها لعقود؛ فالوحدة اليمنية لم تكن مجرد اندماج جغرافي بين شطرين، بل مشروع تحرري وسيادي يهدد مصالح القوى الأجنبية التي لا تريد لهذا البلد أن يكون قويًا ومستقلًا ومتحررًا من الوصاية.
لقد أدرك الأعداء مبكرًا أن اليمن الموحد يمثل قوة استراتيجية وبشرية واقتصادية هائلة، ولذلك سعوا منذ اللحظة الأولى إلى اختراق هذا المنجز عبر إثارة النعرات الطائفية والمناطقية، وصناعة الأزمات، وتغذية الانقسامات، واستخدام أدوات العمالة والارتزاق لضرب النسيج الوطني من الداخل.
لكن السيد القائد أعاد التأكيد على أن السلاح الحقيقي في مواجهة هذه المشاريع هو الهوية الإيمانية الجامعة، مستشهدًا بقوله تعالى:
{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}
فهذه الهوية كما أوضح ليست شعارًا عاطفيًا، بل قاعدة متينة تحفظ الأخوة والوحدة والتعاون، وتمنع الأعداء من زرع بذور الفرقة والكراهية بين أبناء الشعب الواحد.
إن شعبًا يعتصم بحبل الله لا يمكن أن يتحول إلى أدوات اقتتال تخدم مشاريع السفارات وغرف المخابرات الأجنبية، ولا يمكن أن يسمح بتحويل وطنه إلى ساحة نفوذ أمريكي أو بريطاني أو سعودي أو إسرائيلي.
ومن هنا جاء الربط العميق بين الهوية الإيمانية والنهج التحرري؛ فالوحدة التي لا تحمي استقلال البلد، ولا تصون كرامة الإنسان، تتحول إلى هيكل هش يسهل اختراقه. أما حين تكون الوحدة قائمة على الحرية والسيادة والقرار المستقل، فإنها تصبح عصية على الانكسار.
لقد فضح قائد الثورة بوضوح الدور السعودي والأمريكي والبريطاني في إبقاء اليمن ضعيفًا ومرتهنًا، بدءًا من التدخلات السياسية، مرورًا بمنع استخراج الثروات النفطية في الجوف ومأرب والمهرة وحضرموت، وصولًا إلى العدوان والحصار ومحاولات تقسيم البلاد وتمزيق جغرافيتها.
إنها ليست مجرد اتهامات سياسية، إنما وقائع تكشف كيف تعاملت قوى الوصاية مع اليمن باعتباره حديقة خلفية ومخزونًا بشريًا وثرواتيًا يجب أن يبقى تحت السيطرة، لا وطنًا حرًا يمتلك قراره وثروته وإرادته.
ولذلك شدد السيد القائد على أن الشعب اليمني “لن يقبل أن يكون مجرد ملف من ملفات اللجنة الخاصة السعودية”، ولن يرضى بأن يبقى خاضعًا للجنة رباعية أمريكية بريطانية إسرائيلية سعودية تدير شؤونه وتحدد مستقبله.
وفي مقابل هذا المشروع الخارجي التخريبي، يقف الشعب اليمني اليوم أكثر تمسكًا بهويته الإيمانية ونهجه التحرري، رغم الحرب والحصار والمعاناة.
فسنوات العدوان لم تُضعف إرادة اليمنيين، بل كشفت معادنهم الحقيقية، وأسقطت الأقنعة عن أدوات العمالة والارتزاق التي لا ترى في الوطن سوى وسيلة لتحقيق مصالحها الضيقة.
لقد حاول الأعداء استهداف اليمنيين بالمسخ التكفيري، وبإثارة الطائفية والمناطقية، وبنشر ثقافة الكراهية والاقتتال، لكن كل تلك المشاريع اصطدمت بحقيقة راسخة:
أن اليمن بلد الإيمان والحكمة، وأن جذوره الحضارية والإيمانية أعمق من كل المؤامرات.
وفي ذكرى الوحدة السادسة والثلاثين، تبدو الرسالة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى:
لن تُحمى الوحدة بالشعارات الفارغة، ولا بالمصالح الحزبية الضيقة، لكن بالاعتصام بحبل الله، وبالتحرر من الوصاية الأجنبية، وببناء دولة عادلة مستقلة تحفظ كرامة شعبها وثرواته وسيادته.
فالوحدة ليست مجرد حدود على الخارطة، لكنها هوية جامعة، وموقف استقلالي، ومشروع نهضة، ومعركة وعي في مواجهة قوى العدوان التي تريد لليمن أن يبقى ضعيفًا وممزقًا وخاضعًا.
لكن اليمن الذي صمد في وجه العدوان والحصار، وقدّم التضحيات الجسام دفاعًا عن حريته وكرامته، لن يسمح لأحد أن ينتزع منه حقه في الوحدة والسيادة والاستقلال، وسيبقى بإذن الله موحدًا، حرًا، عزيزًا، مهما تكاثفت المؤامرات وتعاظمت التحديات.




