السبت - 20 يونيو 2026

حين تغيّر الشرق… ارتبك الغرب: قراءة في أفول الهيمنة الأميركية…!

منذ 4 أسابيع
السبت - 20 يونيو 2026

كاظم الطائي _Nor ||

 

 

 

قراءة في تراجع الأحادية القطبية وصعود القوى الرافضة للهيمنة -9

لم تعد التحركات الدولية الكبرى في المرحلة الراهنة تُقرأ ضمن الأطر البروتوكولية التقليدية، بل باتت تحمل أبعادًا استراتيجية تعكس حجم التحول الذي يشهده النظام الدولي منذ سنوات. وفي هذا السياق، اكتسبت زيارة دونالد ترامب إلى الصين أهمية استثنائية، ليس بسبب مضمونها السياسي فحسب، بل بسبب توقيتها وطبيعة الرسائل التي حملتها، خصوصًا حين أعقبتها مباشرة زيارة فلاديمير بوتين إلى بكين، في مشهد بدا وكأنه تلخيص مكثف للتحول الجاري في بنية النظام العالمي.

لقد أدركت الصين، بوصفها القوة الاقتصادية الصاعدة، أن الولايات المتحدة لم تعد تتحرك من موقع الهيمنة المطلقة التي طبعت مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، بل من موقع القوة التي تخشى تآكل نفوذها العالمي. فواشنطن التي حكمت العالم لعقود بمنطق القطب الواحد، بدت في تحركاتها الأخيرة أكثر قلقًا من صعود منافسيها، وأقل قدرة على فرض إرادتها السياسية والاقتصادية بالشكل الذي اعتادت عليه.

ومن هنا، يمكن فهم زيارة ترامب إلى بكين بوصفها محاولة أمريكية لاحتواء التحولات المتسارعة في موازين القوى الدولية، خصوصًا بعد تنامي النفوذ الصيني اقتصاديًا، وعودة روسيا إلى المشهد الدولي بوصفها قوة عسكرية واستراتيجية قادرة على تحدي الغرب. غير أن القراءة الصينية لهذه الزيارة لم تكن محكومة بالبعد الدبلوماسي الظاهري فقط، بل انطلقت من إدراك عميق بأن الولايات المتحدة تواجه اليوم أزمة بنيوية تتعلق بقدرتها على الاستمرار كقوة مهيمنة منفردة على النظام الدولي.

وفي المقابل، جاءت زيارة بوتين إلى الصين لتؤكد أن موسكو وبكين لم تعودا تتحركان ضمن حدود التعاون التقليدي، بل ضمن مشروع استراتيجي أوسع يسعى إلى إعادة صياغة التوازنات الدولية، والانتقال بالعالم من مرحلة الأحادية القطبية إلى مرحلة التعددية الدولية. فروسيا، التي واجهت محاولات العزل والعقوبات الغربية، استطاعت أن تحافظ على حضورها الدولي، فيما واصلت الصين تعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي عالميًا، الأمر الذي دفع القوتين إلى تعميق شراكتهما في مواجهة الضغوط الغربية المتصاعدة.

وفي خضم هذا التحول، برزت إيران بوصفها أحد أبرز الفاعلين الإقليميين الذين ساهموا في إعادة تشكيل معادلات القوة في الشرق الأوسط. فإيران، التي تعرضت لعقود من العقوبات والضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية، لم تنجح فقط في الحفاظ على استقرار نظامها السياسي، بل استطاعت أيضًا أن تفرض نفسها كقوة إقليمية ذات تأثير مباشر في ملفات المنطقة.

ومن منظور واقعي في العلاقات الدولية، فإن أهمية التجربة الإيرانية لا تكمن فقط في بعدها الإقليمي، بل في قدرتها على تحدي الإرادة الأمريكية ذاتها. فالولايات المتحدة، التي اعتادت استخدام العقوبات والحصار والعزل السياسي لإخضاع الدول، وجدت نفسها أمام نموذج استطاع الصمود والاستمرار رغم شدة الضغوط. ولهذا، فإن جزءًا مهمًا من التحولات الجارية في النظام الدولي يرتبط بإدراك القوى الكبرى أن الهيمنة الأمريكية لم تعد مطلقة كما كانت في العقود السابقة.

إن العالم اليوم لا ينظر إلى ما جرى بوصفه انتصارًا عسكريًا مباشرًا بقدر ما يراه تحولًا استراتيجيًا في ميزان الإرادات الدولية. فإيران تمكنت، من خلال قدرتها على الصمود وإدارة الصراع طويل الأمد، من إظهار حدود القوة الأمريكية، وكسر صورة الإرادة الغربية القادرة على فرض نتائجها بصورة مطلقة. وهذا ما جعل قوى كبرى مثل الصين وروسيا تتعامل مع طهران باعتبارها جزءًا من معادلة التوازن الدولي الجديدة، لا مجرد لاعب إقليمي عابر.

وفي هذا الإطار، تبدو زيارة بوتين إلى الصين بعد زيارة ترامب وكأنها رسالة سياسية واضحة مفادها أن العالم دخل فعلًا مرحلة إعادة تشكل تاريخية، تتراجع فيها الأحادية الأمريكية تدريجيًا لصالح نظام دولي أكثر تعقيدًا وتعددًا. فالقوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس فقط بحجم التفوق العسكري، بل بقدرة الدول على الصمود، وبناء التحالفات، وإدارة الصراعات الطويلة دون الانهيار أمام الضغوط الخارجية.

وعليه، فإن المشهد الدولي الراهن يعكس بداية انتقال تدريجي من عالم كانت تتحكم به إرادة واحدة، إلى عالم تتعدد فيه مراكز النفوذ والقرار. وفي قلب هذا التحول، تبرز الصين وروسيا وإيران بوصفها أطرافًا أساسية في إعادة رسم ملامح النظام الدولي الجديد، نظام يقوم على كسر الاحتكار السياسي والاقتصادي والعسكري الذي طبع مرحلة ما بعد الحرب الباردة، ويفتح الباب أمام توازنات دولية أكثر تنوعًا وتعقيدًا في العقود المقبلة.