وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ..!
✍️ السيد بلال وهبي ـ لبنان ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴿إبراهيم: 42﴾
تجيب الآية الكريمة على سؤال يراودنا جميعًا، لا سيما في الحروب والأزمات السياسية والاجتماعية، حين يبطش الطغاة ويتجبرون، ويتجاوز الظالمون الحدود، فلا يرعون في أحد إِلًا ولا ذِمَّة، كما يحدث في أيامنا هذه، حيث يشنُّ المعتدون حروب إبادة في المنطقة برمتها، يدمِّرون المدن والقرى، ويقتلون عشرات الألوف، ويحاصرون الملايين، والعالم بين متواطئ معهم، أو محمِّل المظلومين مسؤولية مقاومتهم للظالمين، أو صامت اعتمد الحياد استراتيجيته المفضلة، أو منتظر نتائج المواجهة ليختار الجهة المنتصرة فيميل إليها ليكسب معها.
في هكذا أحوال يتساءل الناس، والمؤمنون خصوصًا أين الله مِمّا يجري، أين الله من هذا الظلم الذي تجاوز كل الحدود، أين الله من قتل الأبرياء وإعدام الأطفال والنساء بدم بارد، وتدمير المدن والمؤسسات الطبية والتعليمية والدينية؟
هل يعلم الله بما يفعله هؤلاء الظالمون الذين يزدادون عُلُوًا وعُتُوًا وطغيانًا، وإذا كان يعلم فلماذا لا يعاجلهم بعقوبة غير متوقعة تزيلهم من الوجود، لماذا لا يرسل عليهم حُسْبانًا من السماء فيذر أرضهم صَعيدَا زَلَقاً، أو زلزالًا يقلب سافلها عاليها.
وهكذا تتكاثر الأسئلة في الذهن كُلَّما شاهد الناس مجزرة هنا ودمارًا هناك، وجميع أسئلتهم تتجه إلى الله تعالى، ويغفلون عن الظالمين المجرمين، ولعلهم يُسقِطون عنهم مسؤولية الظلم والعدوان، ويلقونها على الله تعالى، ثم يريدون منه تعالى أن يقوم بالمهمة كلها بدَلًا عنهم.
وهذا خطأ فادح بلا ريب، إن من حيث تحميل المسؤولية لله تعالى وإسقاطها عن الظالمين، أو من حيث الرغبة في أن يُنجِز الله مهمة الدفاع عن المظلومين بقدرته، دون أن ينهض المظلومون إلى واجبهم بالقَدر الذي يستطيعون، أو من حيث عدم الالتفات إلى أولئك الذين يتواطؤون مع الظالمين ويساندوهم، أو الذين يصمتون عن ظلمهم وجرائمهم، أو الذين يعتمدون استراتيجية الحياد بانتظار ما تؤول إليه المواجهة بين الظالمين والمظلومين.
إن الله لا يرضى بالظلم أبدًا، وينهى عنه، ويجعله ظُلُماتٍ على صاحبه في الدنيا والآخرة، وينتقم منه، وينهى عن إعانة الظالم ولو بأقل العون، ويجعل المعين شريكًا كاملًا في الظلم وفي الجزاء.
والله سبحانه عليم بالظالمين محيط بهم، لا يحصي عليهم أعمالهم وحسب، بل يعلم ما توسوس به نفوسهم وشياطينهم، وما تنطوي عليه صدورهم من كيد سيِّء ومَكر خبيث، ولا تأخذه عنهم سِنَةٌ ولا نَوم، وهو معذِّبهم بظلمهم، أي إن تماديهم في الظلم هو خطواتهم نحو الهلاك والدمار والبَوار.
إنه تعالى إن أخَّر عنهم الدمار فليس ذلك عن غفلة منه عن أعمالهم – تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا – وليس عن تجاوز عنهم، إذ هم لا يستحقون المغفرة، وإنما يؤخرهم ليكشف عن مشروعهم الحقيقي، ويفضح منطقهم، وليُظهِرَ كل مكرهم الذي أضمروه، وليتحمَّل المجتمع الإنساني مسؤوليته في الإنكار عليهم والرفض لظلمهم، واجتنابهم، واجتناب التعاون معهم، وليساند المظلومين ويدفع عنهم الظلم بما يقدرون عليه من قدرات وأساليب.
وهذا ما تؤكده الآية حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾، ولم يقل: يتركهم.
فالتأخير يدل على أن العقوبة واقعة لا محالة، لكنها مؤجَّلة إلى الوقت الذي تتحقق فيه الحكمة الإلهية كاملة، ويبلغ الظلم مداه الذي تنكشف به حقيقته للناس جميعًا، وتسقط كل الأقنعة والشعارات التي يتستَّر بها الظالمون، ولذلك كثيرًا ما يكون الإمهال نفسه جزءًا من العقوبة، لأن الظالم يزداد أثناءه طغيانًا، ويظن أن قدرته المطلقة دليل نجاته، بينما هو في الحقيقة يقترب من لحظة سقوطه من حيث لا يشعر.
وفي الآية بعد مهم وهو أنها لا تدعو المظلومين إلى السلبية في انتظار نزول العقاب الإلهي بالظالمين دون عمل منهم، بل على العكس، تدعوهم إلى مواجهة الظالمين، وتنزع من قلوبهم اليأس، وتمنعهم من الاعتقاد بأن الظالم قد أفلت من الحساب، حتى يواصلوا أداء تكليفهم الأخلاقي والإنساني في مقاومة الظلم، والدفاع عن المظلومين، والثبات على الحق.
فجر يوم الأربعاء الواقع في: 13/5/2026 الساعة (04:27)




