مِنْ فَضْلِ ربٍّ واهِبٍ و جَوادِ.. جَعَلَ الفَصاحَةَ كُلَّها في الضّادِ..!
محمد الجاسم ||

محاولات متواضعة جديدة لتعزيز السعي والاستعداد، لدرء الشبهات عن لغة الضاد، استكمالًا لما أنفذته فعلًا في كتابي الأخير ( المقاصد الضائعة في الأغلاط الشائعة ) الذي صدر عن دار الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة والسياحة والآثار في بغداد أواخر العام 2025.
نسأل الله القبول.. خدمة للطالب والسَّؤول.
(30)
أمامَ
(أمامَ) من أسماء الظروف التي تستخدم للدِّلالة على مكان. ولكن غلب في التعاطي مع هذا الظرف أن يُساء استخدامه ليحرّفوه عن معناه الحقيقي. ففي مناهج تعليمية مختلفة ورد عند بحث درس المفعول فيه ظرف المكان (أمامَ) يقال:
” اسم يدل على زمان أو مكان وقوع الفعل متضمّنًا معنى “في”، مثل: “سافرتُ ليلاً” (ظرف زمان)، و”جلستُ أمامَ التلفاز” (ظرف مكان)، و الغالب في ظرف المكان أن يضاف إلى اسم بعده يحدد المكان المقصود: وقف المدرس أمام الطلاب/ يصلي الناس خلف الإمام.”، ثم يوضح أنَّ (أمام): ظرف يبيّن مكان وقوف المدرس، وهذا لحنٌ واضح.
أَمَامَ : ظَرْفٌ بمعنى قُدّام، ووقوف المدرِّس في غرفة الصف يُلقي الدرس على طلّابه، بهيئةِ وقوفٍ مقابلٍ لهم، وجهًا لوجه، في حين أن (قُدّام) تعني أنه سبقهم في اتجاه واحد، هو يسير وهم خلفه يعقبونه. ومن غثّ الكلام أن شارح الدرس هنا قد وقع في ورطة، حين ساق المثالين المتناقضين في محلٍّ واحدٍ، فقال:
(وقف المدرِّس أمام الطلاب/ يصلّي الناس خلف الإمام)، لأن (إمام) الصلاة الذي يَؤُمُّ المصلّين إنما سُمِّيَ (إمامًا) لأنه يسبقهم في الصف وهم يقفون خلفه ويقتدون به في القراءة والحركات العبادية، ولا يقف أمامهم وجهًا لوجه، كالمدرس بزعم الشارح (أمام الطلاب)، هذا استخدام مغلوط، وإلّا لماذا تقول معاجم اللغة العربية في تعريف (أمَامَكَ): اِسْمُ فِعْلِ أمْرٍ بِمَعْنَى تَقَدَّمْ، وَتَنْصَرِفُ الكَافُ مَعَهُ بِحَسَبِ الْمُخَاطَبِ، وقد تأتي بمعنى: اِنْتَبِهْ، اِحْذَرْ، والمعنيان هنا يُفصحان عن أن (أمام) لا يمكن أن تكون (قبالة) أو (مقابل).
قال تعالى:
” بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ” القيامة – 5،
هذه الآية الكريمة تعني، وفقًا لتفاسير ابن كثير والطّبري، أن الإنسان يريد المضي قُدُمًا في المعاصي وتسويف التوبة، مُكَذِّبًا بيوم القيامة أو مستبعِدًا لوقوعه. وواضح من التفسير أن (أمامِهُ) تعني قُدُمًا دون التفات.
أما (أماميّ) فمَنْسُوبٌ إلَى (الأَمَامِ)، يقال:
” جَلَسَ فِي الصَّفِّ الأَمَامِيِّ ) تعني كان الأوَّلَ، فِي الْمُقَدِّمَةِ ، وهو والآخرون في اتّجاه واحد، وليس يقابلهم.
قال الشاعر الفرزدق :
” سِيرِي أمَامَكِ إنّهَا قَدْ مُكّنَتْ … لِيَدَيْهِ رَاحِلَةُ الإمَامِ الأكْبَرِ “، وقوله (سِيرِي) أي باتجاه مستقيم الى الأمام.
وقال الشاعر أحمد محرم :
” إلى الأمامِ سِراعًا خَلْفَ قائدِكُمْ … إلى الأمامِ فهذي مِنْ وصاياهُ “، والمعنى واضح أن القائد يسير في اتجاه الأمام (قُدُمًا) والأتباع يلحقون به تباعًا، وليس مقابلًا لهم.
ويُنسبُ الى أمير المؤمنين (ع) في ذكر آداب المتعلِّم وما يجب عليه للمعلِّم أنه قال:
” وأن تُعَظِّمَهُ وتُوَقِّرَهُ ما حَفِظَ أمْرَ اللهِ وعَظَّمَهُ، (وأنْ لا تجلسَ أمامَه)”، أي أن لا تُوَلّيَهُ ظهرَك.
إذن بدلًا من أن نقول:”جلستُ أمامَ التلفاز”، ينبغي أن نقول: “جلستُ قبالةَ التلفاز”، أو بإزائِهِ أو تجاهَهُ.
وبدلًا من أن نقول: “وقفَ المدرِّسُ أمامَ الطلّابِ”، ينبغي أن نقول: ” وقفَ المدرِّسُ قبالةَ الطلّابِ “، أو بإزائِهِمْ أو تجاهَهُمْ.
ورُبَّ قَوْل .. أنْفَذُ مِنْ صَوْل..!




