السبت - 20 يونيو 2026
منذ 3 أشهر
السبت - 20 يونيو 2026

طالب الأحمد ||

ذلك هو السؤال الذي يكشف عن معنى وجود الإنسان ويختزل سيرة حياته الدنيوية ، طالت أم قصُرت.

سؤال جوهري..كثيراً ما يهرب الإنسان منه، أو يتهرّب منه حتى لا تصدمه الإجابة..حتى لا يفيق من أوهامه، وما أكثرها.

عندما تُحقق هدفاً ما..عندما تنال جائزةً ما..عندما تشقى طويلاً من أجل أمنيةٍ ما ، ثم تتحقق الأمنية وتبدأ باللهاث وراء أمنية أخرى..لكنكَ في غمرة السباق تنسى أن تسأل نفسك : وماذا بعد؟.

لو أصبحت امبراطوراً..لو امتلكت أموال قارون..لو أصبحت أثرى الأثرياء وتصوّرت في نشوة الوهم أن كل شيء قد أصبح في متناول اليد..عليك أن تسأل نفسك: وماذا بعد؟.

تستدرجك شهوات ورغبات الجسد الفاني من وهمٍ إلى وهم..وتصبح الدنيا مثل ماء البحر لا يزيدك النهل منه إلا عطشاً..ما أن تتقد الرغبة حتى تنطفيء..وفي خضم هذه المتاهة ألا تسأل نفسك: وماذا بعد؟.

أيها الرجل ، كم أغوتك فتنة النساء؟..
لو تزوجتَ من ملكة جمال الكون..فهل سيبقى الجمال مُخلّداً؟..وماذا بعد أن يمضي العمر ويذوي الجمال ويترهل الجسد؟.

وأنتِ ايتها المرأة ، لو تزوجتِ أكثر الرجال وسامةً وجاذبيةً فهل سيبقى محتفظاً بشبابه وحيويته إلى الأبد؟..وماذا بعد أن يصبح شيخاً هرماً؟..

تأملوا معي في فضيحة جزيرة “ابستين”..
أمراء وأثرياء ورؤساء ومشاهير لديهم ثروات طائلة وزوجات جميلات وعشيقات أجمل منهن، ومع ذلك طفقوا يبحثون عن لذة أخرى في اغتصاب القاصرات !!، كأن كل الملذات الجسدية لم تعد كافية..كأن كل النعيم الأرضي المحيط بهم لم يعد كافياً !.

حسناً ، لقد تمتعوا مع القاصرات .. سكروا ورقصوا وعربدوا وأمضوا الليالي الحمراء في الجزيرة..فماذا بعد؟..

هل سألوا أنفسهم؟..
حالهم ليس أفضل حالاً من المخرج الفرنسي الراحل “روجيه فاديم” الذي تزوّج أجمل جميلات السينما العالمية..بريجيت باردو..كاترين دينوف..جين فوندا ، وتنقّل بين أحضان فاتنات السينما لكنه لم يهنأ مع أي واحدةٍ منهنَّ..الزيجات الثلاث انتهت بالطلاق والنفور..

كأنه لا يدري عن ماذا يبحث؟..
يعجب “فاديم” لنفسه كيف أُصيب بالعجز حين ظفر بكاترين دينوف بعد أن كانت هذه الفاتنة أمنية أمنياته !..

لماذا زهد بها وهي التي تمنّاها رجال كثيرون في فرنسا وخارجها؟!..ولماذا زهدت هي به بعد زواج لم يدم طويلاً؟!.

هكذا هو الإنسان..عندما يفتقر للإيمان تصبح حياته بلا معنى..تطارده الأوهام ويطاردها بلا جدوى..يلهث دوماً وراء ملذات الدنيا حتى إذا تذوّقها اكتشف إنها لم تكن تستحق كل ذاك اللهاث والعناء.

ولكن كم إنسان يسأل نفسه : وماذا بعد؟ .
كم إنسان يفكّر دوماً بالنهاية الحتمية التي تترصده ولا مهرب منها؟..
كم إنسان يفكّر بمآلات الحياة وبعالم ما بعد الموت؟.
كم إنسان يُدرك أن الدنيا ليست سوى مزرعة للآخرة، وأن السعادة الحقيقية تختزلها كلمة واحدة هي: الرضا.

إخواني..أخواتي : ها هي أيام شهر رمضان الكريم قد انقضت، فكم من صائمٍ هاجر إلى الله تعالى وتأمل في معنى وفلسفة الصيام؟.
وكم من صائم سيبقى يحارب شهوات النفس الأمّارة بالسوء حتى بعد إنقضاء شهر رمضان؟..

قبل أن نودع شهر رمضان ونستقبل عيد الفطر، ينبغي أن نسأل أنفسنا: هل حلّقت الروح، في الشهر الفضيل، إلى السماء أم أخلدت إلى الأرض؟..

ربما نعيش إلى شهر رمضان القادم وربما نموت قبله، فالأعمار بيد الله تعالى، وفي كل الأحوال علينا أن نغتنم الفرصة الرمضانية، وأن نجعل من نيل رضا الله تعالى غاية الغايات ، وأن نجيب عن السؤال الجوهري ( وماذا بعد؟ ) قبل فوات الأوان.

لست في مقام الوعظ ولكن هذه تذكرة ليس إلا.. وهي من وحي قوله تعالى في محكم كتابه الكريم:
) اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) الحديد / آية 20.