من كربلاء إلى الدولة: دروس الإصلاح في زمن الحروب…!
طه حسن الأركوازي ||

لا تزال واقعة كربلاء ، بعد أكثر من أربعة عشر قرناً حاضرة في الوعي الجمعي للعراقيين بوصفها رمزاً أخلاقياً وسياسياً يتجاوز حدود الحدث التاريخي ، فثورة الإمام الحسين (ع) لم تكنُ مُجرد مواجهة عسكرية محدودة ، بل كانت موقفاً مبدئياً ضد الاستبداد والفساد وإهدار كرامة الإنسان ، ولهذا تحوّلت كربلاء إلى مرجعية رمزية لكُل خطاب يتحدث عن العدالة والإصلاح ورفض الظُلم ، غير أن المفارقة التي تُثير كثيراً من الأسئلة في الواقع العراقي المُعاصر هي أن هذا الإرث الرمزي الكبير لم يتحول دائماً إلى مشروع سياسي أوأ اجتماعي قادر على إنتاج دولة عادلة ومُستقرة .
ففي ظل التوترات الإقليمية الراهنة ، ومع تصاعد المُواجهة العسكرية المفروضة على الجمهورية الإسلامية في إيران ، يجد العراق نفسه مرة أخرى في قلب مُعادلة جيوسياسية مُعقدة ، فهو بلد يرتبط تاريخياً وجغرافياً وسياسياً بمحيطه الإقليمي ، وفي الوقت نفسه يُعاني داخلياً من أزمات بنيوية عميقة في الدولة والخدمات والاقتصاد والأمن الاجتماعي ، وبين هذين المسارين مسار الصراع الإقليمي ومسار الأزمات الداخلية يتجدد السؤال القديم هو لماذا يتكرر الألم في بلد يمتلك كُل هذا التاريخ من الدروس والتضحيات وكُل هذه الثروات .؟
لقد قامت ثورة الإمام الحسين (ع) على مبدأ أخلاقي واضح يتمثل في رفض شرعنة الظُلم عبارته الشهيرة « ومثلي لا يُبايع مثله » لم تكن مُجرد موقف شخصي ، بل إعلاناً عن معيار أخلاقي في السياسة مفاده أن الشرعية لا تُبنى على القوة وحدها ، بل على العدالة وصيانة كرامة المجتمع ، غير أن قراءة هذا الدرس التاريخي في السياق المُعاصر تفرض التمييز بين الرمز الديني ، وبين الواقع السياسي المُتغير ، إذ إن أستدعاء الرموز الكُبرى لا يكون ذا معنى ما لم يتحول إلى وعي سياسي وإداري قادر على إصلاح الدولة وبناء المؤسسات .
المنطقة اليوم تمر بمرحلة توتر غير مسبوقة ، مع أتساع دائرة المُواجهة العسكرية التي وضعت إيران في قلب صراع مفتوح مع قوى دولية وإقليمية ، هذه المُواجهة لا تقتصر آثارها على حدود الدول المُتحاربة ، بل تمتد بتداعياتها إلى الدول المجاورة ، وفي مقدمتها العراق الذي لطالما وجد نفسه ساحة لتقاطع المصالح والنفوذ ، فالتاريخ الحديث للعراق يوضح أن أي أضطراب إقليمي كبير غالباً ما ينعكس مُباشرة على أستقراره الداخلي ، سواء في المجال الأمني أو الاقتصادي أو السياسي .
غير أن التحدي الأكبر الذي يواجه العراق لا يكمن فقط في تداعيات الصراعات الإقليمية، بل في هشاشة بنيته الداخلية ، فبعد أكثر من عقدين على التغيير السياسي ، لا يزال المواطن العراقي يواجه أزمات متُراكمة تمس أبسط مقومات الحياة اليوميةمن “أنقطاع الكهرباء ، تراجع الخدمات الأساسية ، أزمات الرواتب والبطالة ، وتراجع البنية التحتية” ، كُلها عوامل ساهمت في تعميق فجوة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة .
هذه المفارقة تبدو أكثر وضوحاً عندما نُقارن بين حجم الموارد التي يمتلكها العراق ، وبين مستوى الخدمات التي يحصل عليها المواطن .؟
فالعراق يُعد من أغنى دول المنطقة بالموارد الطبيعية ، وعلى رأسها النفط ، ومع ذلك ما زالت قطاعات حيوية مثل “الكهرباء ‘ والمياه ‘والصحة ‘ والتعليم ‘ والزراعة ‘ والصناعه ” تُعاني من أختلالات هيكلية مُزمنة ، هذا الواقع لا يمكن تفسيره فقط بالعوامل الاقتصادية ، بل يرتبط أيضاً بطبيعة النظام السياسي القائم على التوازنات والمحاصصة ، وهي بُنية غالباً ما تُعيق أتخاذ قرارات إصلاحية جذرية .
في هذا السياق ، يتكرر في الوعي الشعبي البحث عن «المنقذ»، وهي ظاهرة ليست جديدة في التاريخ السياسي للعراق ، فقد تأثر المجتمع العراقي عبر عقود طويلة بشخصيات ثورية وإصلاحية مُتعددة ، من رموز دينية إلى قادة تحرر عالميين ، غير أن التجربة التاريخية أثبتت أن الاعتماد على الأفراد وحدهم لا يصنع تحولاً مُستداماً ما لم يترافق مع مشروع مؤسساتي حقيقي يُعيد بناء الدولة على أُسس الكفاءة والقانون والمواطنة .
إن المشكلة الأساسية التي واجهت كثيراً من التجارب الإصلاحية في المنطقة لم تكن في نقص الشعارات أو الرموز ، بل في غياب البُنية المُؤسسية القادرة على تحويل المبادئ إلى سياسات عامة ، فالدول الحديثة لا تُدار بمنطق البطولة الفردية والشعارات ، بل بمنطق المُؤسسات والأنظمة والقوانين والرقابة والشفافية ، ومن دون هذه العناصر تبقى الدعوات إلى الإصلاح مُجرد خطابات أخلاقية لا تجد طريقها إلى التطبيق .
ومن هنا فإن أستحضار كربلاء في الوعي العراقي يجب أن يُفهم بوصفه أستدعاءاً لقيم العدالة والكرامة والرفض الأخلاقي للفساد لا بوصفه مُجرد طقس عاطفي مُتكرر ، فالمأساة التاريخية تتحول إلى درس حضاري فقط عندما تدفع المجتمع إلى بناء نظام سياسي أكثر عدلاً وتطبيقاً للنظام والعدالة والشفافية ، أما إذا بقيت محصورة في الذاكرة العاطفية ، فإنها تتحول إلى ذكرى مُؤلمة تتكرر دون أن تغيّر الواقع .
إن العراق يقف اليوم أمام مُفترق طرق حقيقي ، فالتحديات الإقليمية المُتصاعدة إلى جانب الأزمات الداخلية المُتراكمة ، تفرض إعادة التفكير في شكل الدولة وطبيعة النظام السياسي ، ولا يمكن تحقيق الاستقرار الدائم من دون الانتقال من منطق الدولة الضعيفة المُتنازعة إلى منطق الدولة المدنية الحديثة التي تقوم على سيادة القانون ، وفصل السلطات ، والمواطنة العدالة في توزيع الحقوق والواجبات .
آخيراً وليس آخراً .. إن الدرس الأعمق الذي يمكن أن يقدمه التاريخ للعراق ليس فقط في تذكر المآسي ، بل في القدرة على تحويلها إلى وعي سياسي ناضج ، فالأمم التي تتعلم من تاريخها تبني المستقبل أفضل .
أما الأمم التي تكتفي بالبكاء على الماضي فإنها غالباً ما تكرر أخطاءه ، ولذلك فإن المسؤولية الكُبرى تقع اليوم على عاتق الطبقة السياسية ، التي أصبحت مُطالبة أكثر من أي وقت مضى بالأنتقال من إدارة الأزمات إلى بناء الدولة . فالمواطن العراقي لم يعد يبحث عن شعارات جديدة بقدر ما يبحث عن أمن مُستقر ، وخدمات لائقة ، وأقتصاد قادر على توفير حياة كريمة .
إن بناء دولة مدنية قوية قائمة على الكفاءة والنزاهة والمؤسسات لم يعد خياراً نظرياً أو مطلباً نخبوياً ، بل أصبح شرطاً أساسياً لإنقاذ العراق من دوامة الأزمات المتكررة وعندها فقط يمكن لذكرى كربلاء أن تتحول من مأساة تاريخية إلى طاقة أخلاقية تدفع المجتمع نحو العدالة والإصلاح وبناء الدولة …!




