الهلالُ والحسابُ: رؤيةُ الشريفِ المرتضى في إثباتِ بدايةِ الصيام..!
محمود وجيه الدين – اليمن

نقلًا عَن كلامِ عَلَم الهدى الشريفِ المرتضى عليِّ بنِ الحسينِ الموسويِّ (436هـ).
ابتدأ – رضوان الله عليه-
________________________________________
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[البقرة: 189].
فيها أمور :
الأمر الأوّل:
استدلّ الشريفُ المرتضى بهذه الآيةِ على اعتبارِ الأهِلّةِ في المواقيتِ دونَ العدد، قال:
وهذا نصٌّ صريحٌ كما ترى بأنّ الأهِلّةَ هي المعتبرةُ في المواقيتِ والدالّةُ على الشهور؛ لأنّه علّق بها التوقيت.
فلو كان العددُ هو الذي يُعرَفُ به التوقيت، لم يعلَّقِ التوقيتُ برؤيةِ الأهِلّة، إذ لا مُعتبَرَ برؤيةِ الأهِلّةِ في المواقيتِ على قولِ أصحابِ العدد.
ثمّ نقل- رضوانُ اللهِ عليه-كلامًا عن صاحبِ الكتاب، يُناقش فيه القولَ باعتبارِ الرؤيةِ وأجاب عنه، وهو كما يلي:
ثمّ قال صاحبُ الكتاب: مسألةٌ أخرى لهم وجوابُها، ثمّ قال: وسُئلوا عن قولِ اللهِ تعالى:
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾.
وأجمعَ الكافّةُ على أنّها شهورٌ قمريّة، قالوا: فما الذي أجازَ لكم الاعتبارَ بغيرِ القمر، وهل انصرافُكم إلى العددِ إلّا خلافُ الإجماع؟
ثمّ قال: الجوابُ يُقال لهم: ما وردَ به النصُّ وتقرّر عليه الإجماعُ فهو مُسلَّمٌ على كلِّ حال، لكن وجودُ الاتفاقِ على أنّ الأهِلّةَ ميقاتٌ لا يُحيلُ الاختلافَ فيما يُعرَفُ به الميقات، وحصولُ الموافقةِ على أنّها شهورٌ قمريّةٌ لا يُضادُّ الممانعةَ في الاستدلالِ عليها بالرؤية.
إذ ليس من شرطِ المواقيتِ اختصاصُ العلمِ من جهةِ مشاهدتها، ولا لأنّ الشهورَ العربيّةَ قمريّةٌ وجبَ الاستدلالُ لأوائلِها برؤيةِ أهلّتها، ولو كان ذلك واجبًا لدلّتِ العقولُ عليه وشهدتْ بقبحِ الاختلافِ فيه.
وبعدُ، فلا يخلو الطريقُ إلى معرفةِ هذا الميقاتِ من أن تكونَ المشاهدةُ له والعيان، أو العددُ الدالُّ عليه، والحساب.
ومحالٌ أن تكونَ الرؤيةُ هي أولى بالاستدلالِ لما يقعُ فيها من الاختلافِ والشكّ، وذلك أنّ رؤيةَ الهلالِ لو كانت تُفيدُ معرفةً له من الليالي والأيام، لم يختلفْ فيه عند رؤيته اثنان.
وفي إمكانِ وجودِ الاختلافِ في حالِ ظهورِه دلالةٌ على أنّ الرؤيةَ لا يصحُّ بها الاستدلال، وأنّ العددَ هو الدالُّ على الميقات، لسلامتِه ممّا يلحقُ الرؤيةَ من الاختلاف.
يُقال له : هذه الآيةُ التي ذكرتَها دليلٌ واضحٌ على صحّةِ القولِ بالرؤيةِ وبطلانِ العدد، وقد بيّنّا في صدرِ كتابِنا هذا كيفيةَ الاستدلالِ بها، وأنّ تعليقَ المواقيتِ بالأهِلّةِ دليلٌ على أنّها لا تتعلّقُ بالعددِ ولا بغيرِ الأهِلّة.
وقولُه: «إنّ وجودَ الاتفاقِ على أنّ الأهِلّةَ ميقاتٌ لا يُحيلُ الاختلافَ ممّا يُعرَفُ به الميقات» ليس بالصحيح؛ لأنّ المواقيتَ إذا توقّفَتْ على الأهِلّةِ فمعلومٌ أنّ الهلالَ لا طريقَ إلى معرفتِه وطلوعِه أو عدمِ طلوعِه إلّا الرؤيةُ في النفيِ والإثبات.
فيعلمُ من رأى طلوعَه بالمشاهدة، أو بالخبرِ المبنيِّ على المشاهدة، ويُعلمُ أنّه ما طلعَ بفقدِ المشاهدةِ وفقدِ الخبرِ عنها.
ولا يخفى على مُحصِّلٍ أنّ إثباتَ الأهِلّةِ في طلوعٍ أو أفولٍ مبنيٌّ على المشاهداتِ ووصفٍ، ولو كانت عدديّةً لأُضيفتْ إلى العددِ لا القمر، وكيف تكونُ قمريّةً ولا اعتبارَ بالقمرِ فيها ولا له حظٌّ في تمييزِها وتعيينِها؟
فأمّا قولُه: «ومحالٌ أن تكونَ الرؤيةُ هي أولى بالاستدلالِ لما يقعُ فيها من الشكِّ والاختلاف» فقد بيّنّا أنّه لا شكَّ في ذلك ولا إشكال، وأنّ التكليفَ صحيحٌ مع القولِ بالرؤيةِ غيرُ مشتبهٍ ولا متناقض، وأنّ من ظنَّ خلافَ ذلك فهو قليلُ التأمّل، وفيما ذكرناه كفاية.
الأمرُ الثاني:
إن سألَ سائلٌ عن شعبانَ وشهرِ رمضانَ: هل تلحقُها الزيادةُ والنقصان، فيكونُ أحدُهما تارةً ثلاثينَ وتارةً تسعةً وعشرين؟
الجوابُ، وباللهِ التوفيق:
إنّ الصحيحَ من المذهبِ اعتبارُ الرؤيةِ في الشهورِ كلِّها دونَ العدد، وأنّ شهرَ رمضانَ كغيرِه من الشهورِ في أنّه يجوزُ أن يكونَ تامًّا وناقصًا.
ولم يقلْ بخلافِ ذلك من أصحابِنا إلّا شذّاذٌ خالفوا الأصولَ، وقلّدوا قومًا من الغلاة، تمسّكوا بأخبارٍ رُويتْ عن أئمّتِنا عليهم السلام غيرِ صحيحةٍ ولا معتمدةٍ ولا ثابتة، ولأكثرِها – إن صحّ – وجهٌ يمكنُ تخرّجه عليه.
والذي يُبيّنُ عمّا ذكرناه ويوضّحُه أنّه لا خلافَ بين المسلمينَ في أنّ رؤيةَ الأهِلّةِ معتبرة، وأنّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يطلبُ الأهِلّة، وأنّ المسلمينَ في ابتداءِ الإسلامِ إلى وقتِنا هذا يطلبون رؤيةَ الهلالِ ويعتمدونها.
ولو كان العددُ معتبرًا معتمدًا لكان هذا من فعلِه صلى الله عليه وآله وسلم وفعلِ المؤمنين عبثًا لا طائلَ فيه ولا حكمَ يتعلّقُ به.
وقد رُوي عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم من عدّةِ طرقٍ ما هو شائعٌ ذائع:
«صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّةَ ثلاثينَ يومًا».
فجعلَ الرؤيةَ المقدَّمة، وجعلَ العددَ مرجوعًا إليه بعد تعذّرِ الرؤية، وهذا تصريحٌ بخلافِ من يذهبُ إلى العددِ ولا يعتبرُ الرؤية.
وقال اللهُ تعالى:
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾،
وليس يكونُ ميقاتًا إلّا بأن تكونَ الرؤيةُ معتبرة، ولو كان مذهبُ أهلِ العددِ صحيحًا لسقطَ حكمُ المواقيتِ بالأهِلّة.
وروى الحلبيُّ عن الصادقِ عليه السلام أنّه قال: «إذا رأيتَ الهلالَ فصمْ، فإذا رأيتَه فأفطرْه».
وروى محمدُ بنُ مسلمٍ عن أبي عبدِ الله عليه السلام أنّه قال: «إذا رأيتم الهلالَ فصوموا، فإذا رأيتموه فأفطروا، وليس بالظنِّ ولا بالظن».
وروى الفضيلُ بنُ عثمانَ عن أبي عبدِ الله عليه السلام أنّه قال: «ليس على أهلِ القبلةِ إلّا الرؤية، وليس على المسلمين إلّا الرؤية».
وكتبُ أصحابِنا وأصولُهم مشحونةٌ بالأخبارِ الدالّةِ على اعتبارِ الرؤيةِ دونَ غيرِها.
فأمّا تعلّقُ المخالفِ في هذا البابِ بما يُروى عن أبي عبدِ الله عليه السلام من أنّه: «ما تمّ شعبانُ قطّ ولا نقصَ رمضانُ قطّ» فهذا شاذٌّ ضعيفٌ لا يُلتفتُ إلى مثلِه.
ويمكنُ – إن صحّ – أن يكونَ له وجهٌ يُطابقُ الحقّ، وهو أن يكونَ المرادُ بنفيِ النقصانِ عن شهرِ رمضانَ نقصانَ الفضيلةِ والكمالِ وثوابِ الأعمالِ الصالحةِ فيه.
ومعلومٌ أنّه أفضلُ الشهورِ وأشرفُها، وأنّ الأعمالَ فيه أكثرُ ثوابًا وأجملُ موقعًا. ونفيُ التمامِ عن شعبانَ أيضًا يكونُ محمولًا على هذا المعنى؛ لأنّه بالإضافةِ إلى شهرِ رمضانَ أنقصُ وأخفضُ بالتفسيرِ الذي قُدِّم.
______________________
المصدر:
الرسائل للشريف المرتضى، 1: 157.
نفائس التأويل تفسيرهُ القرآني ، ج1: 590.




