الجمعة - 19 يونيو 2026

السلام بلا عدالة: قراءة قانونية في الخطاب الإبراهيمي المعاصر..!

منذ 6 أشهر
الجمعة - 19 يونيو 2026

كاظم الطائي/Nor ||

لم تعد الدعوة إلى السلام في الشرق الأوسط تُطرح بوصفها مسارًا سياسيًا يخضع للنقاش والتقييم، بل باتت تُقدَّم في كثير من الأحيان كخيار أخلاقي وديني فوق السياسة وفوق القانون. وفي هذا السياق، برز ما يُعرف بـ«الخطاب الإبراهيمي» أو «المشترك الإبراهيمي» بوصفه أحد أهم أدوات الدبلوماسية الناعمة، التي توظّف الرمز الديني لإعادة صياغة الصراعات، لا لحلّها جذريًا.

يقوم هذا الخطاب على استدعاء النبي إبراهيم عليه السلام بوصفه جامعًا رمزيًا للأديان، ومن ثم تقديم التعايش الديني كمدخل لسلام دائم.

ظاهريًا، يبدو الطرح إنسانيًا ومتصالحًا، لكنه يثير إشكالية قانونية وأخلاقية عميقة: هل يمكن بناء سلام حقيقي من دون عدالة؟ وهل يحق لأي خطاب، مهما كان دينيًا أو إنسانيًا، أن يطالب بتجاوز الجرائم والتاريخ والحقوق تحت شعار التسامح؟

من الناحية القانونية، لا يُعد السلام قيمة مجردة، بل نتيجة لمسار يقوم على المساءلة والإنصاف واحترام القانون الدولي وحقوق الشعوب. وعندما يُعاد تعريف الصراع، ولا سيما الصراع مع الكيان الصهيوني، بوصفه خلافًا رمزيًا أو دينيًا قابلًا للذوبان، فإن جوهر القضية يُفرَّغ من مضمونه القانوني، وتُستبدل مفاهيم الاحتلال والعدوان بمفردات التعايش والسلام المجرد.

الأخطر في الخطاب الإبراهيمي المعاصر أنه لا يكتفي بالدعوة إلى السلام، بل يسعى إلى تعليق الذاكرة السياسية. فالتسامح، وفق هذا المنطق، لا يعني تجاوز الأحقاد، بل تجاوز الحقوق نفسها. ويُطلب من المجتمعات المتضررة أن تنسى، لا أن تُنصَف، وأن تتصالح، لا أن تُحاسِب. وهنا يتحول السلام من مشروع عدالة إلى أداة تطبيع ناعم.

كما أن هذا الخطاب يصطدم مباشرة بمبدأ السيادة القانونية للدول التي تتبنى تشريعات واضحة تجرّم التطبيع مع الكيان الصهيوني. فالدعوة إلى الانخراط في مسار إبراهيمي، حتى لو جاءت بغطاء ديني أو إنساني، تمثل خرقًا صريحًا للقانون الوطني، ومحاولة لإعادة تأطير المخالفة القانونية بوصفها واجبًا أخلاقيًا. وهذا بحد ذاته تهديد لهيبة القانون ولمفهوم الدولة.

ولا يمكن إغفال البعد الهوياتي في هذا المسار. فالتركيز على «الهوية الإبراهيمية الجامعة» يُستخدم أحيانًا كأداة لتفكيك الهويات السياسية الوطنية، وإحلال هوية كونية فضفاضة محلها. وفي مجتمعات تعاني أصلًا من ضعف الدولة وتآكل المرجعية القانونية، يشكّل هذا الطرح خطرًا مضاعفًا، لأنه يربك الوعي العام ويفتح الباب أمام مسخ الهوية باسم السلام.

إن المشكلة ليست في الدين، ولا في الدعوة إلى التعايش، بل في تسييس الرمز الديني واستخدامه لتجاوز القانون وإعادة تطبيع الصراع. فالدين، حين يُستخدم كأداة سياسية، يفقد وظيفته الأخلاقية، ويصبح جزءًا من منظومة الهيمنة الناعمة.

وفي الخلاصة، لا يمكن لسلام يتجاهل العدالة أن يكون سلامًا مستدامًا، ولا يمكن لخطاب يتجاوز القانون أن ينتج استقرارًا حقيقيًا. فالسلام الذي يُبنى على نسيان الحقوق لا ينهي الصراع، بل يؤجله ويعيد إنتاجه بأشكال أكثر تعقيدًا.

أما السلام الحقيقي، فلا يقوم إلا على العدالة، واحترام القانون، وصون الذاكرة، لا محوها.