مقارنة التكافؤ.. ردود أفعال في مصر وصمت في العراق..!

محمد شريف أبو ميسم ||
قد نجد تفسيرًا لردود الأفعال الإعلامية التي أثارها الإخوة المصريون، بعد تصريحات الرئيس السوري في مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار 2025 في الرياض، والتي ألمح فيها إلى وجود فارق فيما أسماه بـ “النجاح والجهد المضاعف والسرعة الفائقة في مواكبة التطور” في كل من (تركيا والسعودية وقطر والإمارات)،
مقارنة بالعراق ومصر، إذ إن هذه الردود لها ما يبررها، في سياق قطيعة مصر مع النظام السوري الجديد، وما عُرِف عن روح الانتماء المصرية التي تتجاوز كل الخلافات فيما يتعلق باسم مصر وحضورها بين الأمم. ولكننا لا نستطيع تفسير الصمت الإعلامي العراقي، إلا في سياق التجاذبات السياسية التي كرّست الهويات الفرعية، وأطاحت بالخطاب الوطني الموحد.
فإذا كان لدينا ما يتفق وهذه المقارنة، بدوافع سياسية أو واقعية بعد مراحل الارباكات التي شهدتها هذه البلاد، فإن لدينا أيضًا ما يسحب الأصابع لتشير إلى الحقيقة.
فقد عانت بلادنا الكثير من مراحل الاستبداد والدكتاتورية، وتراجعت كثيرًا جراء الحصار الاقتصادي والعلمي، ثم ابتُليت بكثرة التدخلات الخارجية، والصراعات بالوكالة، إلا أنها بدأت تنفض الغبار عن اختلالاتها الهيكلية التي خلّفتها عقود عديدة من الحروب والظلم والاستبداد والاحتلال والوصاية والاستهداف الخارجي،
ويُحسب لها أنها خرجت من تلك المراحل بنسيج اجتماعي متماسك، في وقت كانت فيه هذا النسيج الاجتماعي هو الخامة المستهدفة، لتكريس التراجع.
وبحسب كل المؤشرات، فإن ثمة حضورًا لافتًا عالميًا للمؤسسات والأفراد العراقيين، وتفوقًا كبيرًا لهذا البلد دون أي بلد آخر كان يمكن أن يعيش نفس الظروف.
فعلى الرغم مما يُقال بشأن انخفاض مستويات الإنفاق على التعليم، إلا أن العراق احتل لسنوات “ولا يزال” موقع الصدارة عربيًا في معدلات الذكاء بحسب استطلاعات عالمية عديدة. وأظهر تصنيف ستانفورد لأفضل العلماء في العام 2025، نحو 279 عالمًا عراقيًا ضمن أفضل 2 بالمئة من الباحثين في العالم.
وفي العام 2023، ضمت القائمة 151 عالمًا عراقيًا، وسجّلت حوالي 8000 براءة اختراع، منها 1200 براءة اختراع في العام 2024، فيما حاز عدد من المخترعين العراقيين على عدد من الجوائز العالمية وحصل البعض منهم في مجال خوارزميات الذكاء الاصطناعي على شهادة من الاتحاد الدولي لجمعيات المخترعين في جنيف. والمقال هنا لا يسع لسرد الكثير من الإنجازات العلمية التي حققتها الجامعات العراقية، ومنها جامعات (بغداد، البصرة، الموصل، النهرين، كربلاء، الكوفة، الأنبار) سواء في التصنيفات ذات الصلة بالسمعة الأكاديمية العالمية أو مؤشرات الاستدامة التنموية «SDGs» في السنوات الأخيرة.
وبرغم إعاقة عمل الحكومات المتعاقبة بفعل التدخلات الخارجية، وصناعة الفتن الطائفية والإرهاب، مرورًا بتقطيع أوصال المدن بالقطع الخرسانية، وصولًا للعام 2017 الذي تحقق فيه النصر على “داعش”، وما رافقهما من استنزاف مالي، إلا أن المتحقق في قطاعات البنية التحتية، والاستثمار في القطاعات الحقيقية، والتطور الكبير في القطاع المصرفي، وقطاع العقارات، والطرق والجسور، كبير جدًا إذا ما قُورن بحجم التحديات التي شهدتها البلاد. نعم، المنجز لا يسد الحاجة الفعلية، إلا أنه يمثل نجاحات لا ينكرها إلا من اتخذ موقف العداء لشكل الدولة الجديد.
وبالأرقام ووفقًا لتوقعات صندوق النقد الدولي الصادرة في تشرين الأول 2025، يُقدَّر أن يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في العراق حوالي 5,873 دولارًا لعام 2025، مقارنة بنحو 144 دولارًا في النصف الأول من عام 2004. وبلغ عدد المستشفيات 546 مستشفى، منها 339 مستشفى حكوميًا و207 أهليات،
بالإضافة إلى 2805 مراكز صحية، بالمقارنة مع 240 مستشفى و1200 مركز صحي تضرر الكثير منها على إثر الاحتلال في العام 2003. وتشير بيانات رسمية إلى بناء 2160 مدرسة، وتتضارب الأرقام بشأن مشاريع تعبيد الطرق وبناء الجسور ومد شبكات الصرف الصحي وشبكات المياه، إلا أنها تشير إلى إنجاز الآلاف منها، وهكذا بالنسبة لمشاريع الإسكان، فضلاً عن التوسع الأفقي في المدن. واستطاعت البلاد أن تتم إنجاز المراحل الأولى من مشروع الحكومة الإلكترونية، وشوطًا كبيرًا من مشروع الدفع الإلكتروني، وسواها من مشاريع الأتمتة.
وهذا لا يعني أن هذه الإنجازات تمثل الكمال والحاجة الفعلية، ولا يعني أن الفساد لم يأخذ مأخذًا كبيرًا من الإنفاق، وأن الأمور في نصابها الصحيح، ولكنه يعني أن البلاد بدأت تنهض من كبوتها، وأن المقارنة غير موضوعية. والحقيقة المرة هي: أننا لا نملك خطابًا وطنيًا موحدًا يعتز بانتمائه وعمقه التاريخي، ويقف مع هذه الأرض التي تجزل بالعطاء وتُكافَأ بالجحود.




