آرزو.. (البحر بعيد.. اسمعه يتنهد) ..!
طالب الأحمد ||

مقطع من روايتي هدية لزوار الصفحة مع وافر الود وخالص الدعاء لكم جميعا بحياة هانئة:
رمقتني بنظرة رجاء، وقالت:
– دعنا عن احاديث السياسة لا أحب الخوض فيها الآن.
– الأوضاع السياسية تؤثر في كل مناحي الحياة، لولا السياسة ما كانت لتولد قصة حبنا في هذا المنفى.
كأنها فوجئت بكلامي، سحبت يدها وتساءلت باستغراب:
– المنفى؟!
– وماذا تسمين حياتي هنا؟
– أنتَ اخترت الهجرة يا جواد، أنتَ في بلدك الثاني ما دمت قد اقترنت بيّ.
– لا أنكر ذلك، أعتبر أهلكِ مثل أهلي في العراق، لقد أكرموني واحتضنوني وعندما تقدمت لخطبتك لم يبخلوا عليَّ بجوهرة كانت مكنونة لي في رحم الغيب.
– أنت صحافي وتعرف كيف تختار الكلمات.
– صدقيني، هذه الحقيقة، أنتِ هدية الله لي.
– كم تسعدني كلماتك.
– ليست كلمات..إنها الحقيقة..إنها بوح الروح.
واصلنا السير على الساحل تراودنا الأحلام والأمنيات..
أردت أن أنسى كل الماضي وأنا معها في جزيرة “كيش” وسط الخليج..
أمسكت بكفها مرة أخرى كأني أتوسل إليها أن تُنقذني من هواجس التغرّب والضياع..
بدت لي (آرزو ) مثل أميرة إسطورية قادمة من عالم الخيال..
– أعرف أنكَ تُحب عمر الخيام..
وراحت تترّنم بأغنية صوفية:
حتى نكون ممن صفقوا في إنسجام
ممن عبثوا مرحين في وجه الآلام..
فلننهض قبل الفجر، من أجل النفس الأخير ..
فما أن لاح الفجر، حتى انقطعت الأحلام..
قطعت أغنيتها فجأة..، وسألتني:
– أتذكر يا جواد أغنية فرقة “بانو” النسوية في مسرح “وحدت” ؟
– وكيف أنسى أول يوم تعارفنا فيه !
تبتسم عيناها بوداد يلتمع:
– ولادة قصة الحب العراقية الإيرانية.
أتأمل محراب عينيها..الإبتسامة الوامضة فيهما..ثمة أمل في هذا الإبتهال..أتراه بعيداً في رحم الغيب ؟..
يا إلهي.. كم أمنية أزهرت في القلب ثم ذوت في رماد الحروب؟
– أين سرحت؟..
– منذ ذلك اليوم الذي التقينا فيه في مسرح “وحدت” وأنا أعشق الموسيقى والأغاني الصوفية لأجلكِ ياحياتي.
ترمقني بنظرات امتنان.. تتطلع إلى الأفق وهو يتضمخ بألوان البنفسج والإرجوان.. تواصل شدّوها فينساب إلى مسامعي كأنه هديل اليمام..
“ما أن لاح الفجر حتى انقطعت الأحلام..”
– الأحلام ..؟ هل ما نحن فيه حلم أم حقيقة يا آرزو؟
أعانقها وأتنسم عبيرها..
أملأ كياني كله بشذاها..
أضمها لروحي كأني طفل يتشبّث بهدية هبطت عليه من السماء..
كم يُسحرني صوتها..
أتذوقه عذباً كماء الغدير، وأشدو معها:
“ما أن لاح الفجر حتى انقطعت الأحلام..”
شعرتُ بنشوة الكلمات في شفاهي.. كأني غيمة والسماء تأخذني إليها.. كأن مياه الخليج تشاركني فرحتي..أمواجه تبتهج..تتراقص بغُنج..تتوهج ثم تتناثر على الضفاف مع النسائم المترفة بالندى..
هل كانت الأمواج تصغي معي للشادية الفارسية؟!.
واصلت (آرزو) ترنيمتها:
“لابد للقدح من صانع حكيم
بألف قُبلةٍ وداد على الجبين
إنّ الذي يخلق في أحسن تقويم
قادر على أن يُعيد للتراب هذا الأديم ”
روحي تُحلّق مع شدوها.. تعرج إلى سماوات الحلم ، وقلبي ينصت بخشوع لنشيج الأمواج..
– كم تحبين الموسيقى؟!
– وكيف لا أحبها ..إنها أزيز أبواب الجنة كما يصفها مولانا الرومي.
– اتعرفين، كنت اتصوّر أن الموسيقى مُحرّمة في إيران.
– معظم الفقهاء عندنا يُحرّمون الغناء وليس الموسيقى، ومنهم من يُجيز غناء قصائد العرفان والتصوف.
– هل سمعتِ موسيقى عربية؟
– للأسف لم أسمعها، وكيف نسمعها وسط طبول الحرب؟
– معكِ حق يا حبيبتي.
توقفنا هنيهة..
سرح نظري في الأفق اللامتناهي، تذكرّت “السياب” حين كان غريبا على ساحل الخليج..وتساءلت في سري: ماذا يعني أن يكون للإنسان وطن في هذا الكون الفسيح؟..بل أين يكمن الوطن.. في الأرض أم في القلب؟..




