أمريكا وإسرائيل وقطر في مجلس الأمن: التحالفات تُختبر والمبادئ تُراجع..!
مهند ال كزار ||
ماجستير علاقات دولية ودبلوماسية

في جلسة مفصلية لمجلس الأمن الأممي بتاريخ 11–12 سبتمبر 2025، تبلورت رؤية جديدة في التفاعلات الثلاثية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وقطر، إذ لم تعد العلاقة مجرد توازن دبلوماسي قديم بل أصبحت اختباراً حقيقياً للخطوط الحمراء التي تراها واشنطن لا يُمكن تجاوزها، حتى من قبل حليفتها إسرائيل، عندما يُمس حليف آخر مثل قطر بسيادته وسلامة أراضيه.
جاءت هذه الجلسة بعد غارة إسرائيلية على العاصمة القطرية الدوحة، استُهدفت فيها قيادات من حركة حماس، مما أثار ردود فعل دولية، وقد شاركت أمريكا في إدانة غير مسبوقة لهذا الفعل، رغم أنه اعترف رسميًا بأنه لم يُذكر اسم إسرائيل في نص البيان.
هذه اللحظة تكشف بعض المفاصل المهمة في السياسة الدولية اليوم: كيف تُوازن أمريكا بين دعمها القوي لإسرائيل وبين مصالحها مع دول الخليج، لا سيما قطر التي تُعد وسيطًا مهمًّا في محادثات التهدئة والحوار، وكيف تستجيب إسرائيل إذا ما رأى الحلفاء أن ممارساتها تقوّض تلك الوساطات، وكيف تستغل قطر فرصةً لتعزيز موقعها الدبلوماسي عبر الضغط القانوني والسياسي على المنظمات الدولية.
بيانات ومواقف:
الولايات المتحدة
قالت السيدة دوروثي شيا، سفيرة أمريكا بالوكالة لدى الأمم المتحدة: قصفٌ أحادي داخل قطر، دولة ذات سيادة تعمل بشجاعة جنبا إلى جنب مع الولايات المتحدة لتسهيل السلام، لا يخدم أهداف إسرائيل ولا أهداف أمريكا، يمكننا أن ندرك أن القضاء على حماس هدف مشروع، لكن هذا الأمر يجب أن يتم ضمن احترام القانون الدولي وليس عبر خرق سيادة دولةٍ وسيطة».
قطر
المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري قال: قطر تُدين بشدة هذا الهجوم الجبان الذي استهدف مبانٍ سكنية تضم أعضاء من المكتب السياسي لحماس في العاصمة الدوحة، هذا الاعتداء يُشكّل انتهاكاً صارخاً لكل القوانين والأعراف الدولية، ويشكّل خطراً جسيماً على أمن وسلامة القطريين والمقيمين، لن نتسامح مع هذاالسلوك الطائش، ولا مع أي عمل يستهدف أمننا وسيادتنا».
إسرائيل
أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في ردّه الرسمي على الهجوم: أن العملية ضد رؤساء تنظيم حماس كانت عملية إسرائيلية مستقلة بالكامل: إسرائيل شرعت بها، إسرائيل نفّذتها، وإسرائيل تتحمل المسؤولية الكاملة.
الأمين العام للأمم المتحدة
أنطونيو غوتيريش وصف الضربات بأنها انتهاك فاضح لسيادة وسلامة أراضي قطر، مؤكدًا أن على جميع الأطراف أن تعمل نحو وقف دائم لإطلاق النار، لا نحو تدميره.
ماذا تحمل هذه المواقف من دلالات؟
1. تحوّل في الموقف الأمريكي
ما ميز هذه الجلسة أن الولايات المتحدة خرجت بدور مُنْتقد، وإن لم تصل إلى إدانة تامة لإسرائيل بالاسم ضمن بيان رسمي، الموقف يكشف أن هناك خطوطاً تُعتبر حمراء من وجهة نظر واشنطن—منها سيادة الدول الحليفة، وضرورة التنسيق، واحترام القانون الدولي.
2. استغلال قطري ذكي
قطر نجحت في تحويل العدوان الذي استهدافها إلى محطة دبلوماسية قوية: استدعاء الدعم الدولي، تأكيد على دورها كوسيط لا يُستغنى عنه، تعزيز مواقفها القانونية، وتكريس مفردة السيادة.
3. تحديات أمام إسرائيل
إسرائيل، بالرغم من تأكيدها أن العملية مستقلة، تجد نفسها في موقف يكون فيه الدعم التقليدي من أمريكا مُقيداً، خاصة إذا ما تُرِكَت آثارٌ سياسية ودبلوماسية قد تخلّ بأمن الحلفاء أو استقرار الوساطات.
جلسة مجلس الأمن هذه ليست نقطة صدفة بل مؤشر لمرحلة جديدة في السياسة الدولية حيث تُقالَب الأصوات القوية عندما تُخترق السيادة بدوافع أمنية، حتى بين حلفاء تاريخيين.
العلاقة بين أمريكا وإسرائيل ليست معصومة من المراجعة، خصوصاً إذا ما تعارضت العمليات العسكرية مع مصالح واشنطن الدبلوماسية أو الأمنية في المنطقة.
قطر برهنت أن لديها القدرة على استثمار ما يُشبه الهجوم ضدها، لتثبيت مكانتها الدولية، والمطالبة باحترام السيادة، وفرض التوازن في العلاقات.




