الجمعة - 19 يونيو 2026

الامام العسكري (ع) .. شهادة بنكهة الإنتظار..!

منذ 10 أشهر
الجمعة - 19 يونيو 2026

أكرم كامل الخفاجي ||

 

الحمد لله رب العالمين ، اللهم صلِّ على محمد وآل محمد .
سيدي : لا أملك شيئاً في هذه الحياة الدنيا إلا الكتابة عنك ، لأني أعلم حينها أني وإياك وإبنك من المشمولين بآية (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) .. فأنا مأمورٌ بالكتابة ، وانتم وابنكم الحجة (ع) تتشرفون بالرؤية الولائية .

وهذا عملي عنك لأني لا أتقن في الدعاء لكم إلا صياغة الحروف على شكل موضوع ليقرأ الناس شوقي في حروفي وهم يعلمون.
واصل الإمام الحسن العسكري (ع) مهام الإمامة بعد والده الإمام الهادي (ع) ، وعاصر في فترة إمامته القصيرة ست سنوات حكومة ثلاثة خلفاء هم المعتز والمهتدي والمعتمد ، وكانت المعاناة مع الدولة العباسية مازالت شديدة ففي غضون حكم المعتز قُتل الكثير من الأبرياء وسجن من قادة العلويين أكثر من سبعين شخصاً .

ربما يجد الباحث في الإمام العسكري (ع) أموراً ملفتة للنظر بلحاظ أمرين :

1- تبيان الشريعة ، 2- حراسة الشريعة
أما تبيان الشريعة ، فلعل أهم ما يمكن أن يقوم به الإمام من أئمة الهدى هو تبيان القرآن الكريم ، تفسيراً وتأويلاً .
أما حراسة الشريعة ، فتتمثل في عدة أمور :

أولها : الدفاع عن القرآن الكريم .

ثانيها : التحذير من الفِرق المنحرفة والتي انتشرت في زمانه (ع) بعد دخول الشعوب في الإسلام والتفاعل الحاصل نتيجة الترجمة

وغيرها ، واشتغال الناس في الفلسفة والبحث المتعمق في الأسئلة الأساسية كوجود الله تعالى وكنهه والعالم وخلقه .

ثالثها : التحذير من غلو الشيعة ومن أخطر مصاديق الغلو هو التأليه ، والذي تشير إليه الرواية عن إدريس بن زياد بقوله (كنت أقول فيهم – أي الأئمة – قولاً عظيماً) ، فلما ذهب إلى سامراء للقاء الإمام (ع) ، فعندما وصل إلى مكان نزوله ونام ، جاءه الإمام (ع) فأيقظه وعاجله بالقول : (يا إدريس بل عباد مكرمون ولا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) ، مؤكداً له أنهم (ع) عباد لله كسائر العباد ، ولكنهم مكرمون بأنواع اللياقات المتميزة ، وأنهم في النهاية لا يتحركون إلا بأمر الله تعالى .
ويجب أن نتيقن إن وصول آلاف الروايات على الرغم من شدة التضييق على الإمام يعد أمراً يقرب من المعجز وخاصة حديثه بلغات الناس .

فقد روي أن الإمام (ع) سمع يكلم غلمانه بلغاتهم المختلفة ، التركية والرومية وغيرها ، فسُئل عن ذلك فأوضح : (إنّ الله جلّ اسمه بيّنَ حجته من سائر خلقه وأعطاه معرفة بكل شيء ويعطيه اللغات ومعرفة الأسباب والآجال والحوادث ، ولولا ذلك لم يكن بين الحجة والمحجوج فرق) .

وقد استمرت مهمات إمامته في الأمر العظيم من بعده ، وهو تهيئة الخلف المنتظر (ع) والشيعة لإمامته الفريدة ، التي تميزت بالغيبة الطويلة .

فالتهيئة لإمامة ولده المنتظر (ع) تعني :

* توجيه الشيعة إليه بالتعريف بشخصه ، فقد روي أنه (ع) بشّر بولادة الحجة قبل الولادة بالقول : (إنّ الإمام وحجة الله من بعدي ابني سميُّ رسول الله وكنيّه ، الذي هو خاتم حجج الله وآخر خلفائه) .

* وبما أن إمامة ولده سيكون أولها غيبة لعشرات السنين ، فقد كان لزاماً على الإمام العسكري (ع) توجيه الشيعة إلى الطريقة المناسبة وهي الوكلاء والسفراء فيما بين الإمام وشيعته .

وهكذا فقد وجه العسكري (ع) الناس إلى الوكلاء بدءً بالوكيل الأول لولده الحجة عثمان بن سعيد العمري الذي جاء به إلى وفد من شيعة اليمن وقال له : (إمض يا عثمان فإنّك الوكيل والثقة والمأمون على مال الله واقبض من هؤلاء النفر اليمنيين ما حملوه من المال) ثم قال لهم : (واشهدوا عليّ انّ عثمان بن سعيد العمري وكيلي وأنّ ابنه محمداً وكيل ابني مهديّكم) .

* إعلام الشيعة بقضية الغيبة ، كأمر حتمي ، لهذا قام الإمام العسكري (ع) بالتشديد على هذا الأمر بقوله : (كأني بكم وقد اختلفتم بعدي في الخلف منّي ، أما إن المقرّ بالأئمة بعد رسول الله المنكر لولدي كمن أقرّ بجميع أنبياء الله ورسله ثم أنكر نبوّة رسول الله ، والمنكر لرسول الله كمن أنكر جميع الأنبياء ، لأن طاعة آخرنا كطاعة أوّلنا والمنكر لآخرنا كالمنكر لأوّلنا ، أما إنّ لولدي غيبة يرتاب فيها الناس إلاّ من عصمه الله عزّ وجل) .

وهنا واجه الإمام العسكري (ع) قضيتين كبيرتين :
الأولى : تهيئة الشيعة لقبول زعامة ولده المهدي ، وهو بعد لم يتجاوز الخمس سنين (وهو يختلف عن الجواد والهادي (ع) بأنه غائب لا يراه إلا القلةُ من أصحاب أبيه) .

والثانية : إشكالية طول عمر الإمام ، وأن هذا الإمام ستمتدّ به الأيام والسنون ، وإن كان الفكر الإسلامي قد ألِف فكرة العمر الطويل عن طريق القرآن الكريم بما قصّ من خبر نوح (ع) .
فأعتمد الإمام في هاتين القضيتين على ثقات أصحابه ، وأصحاب أبيه ، كعثمان بن سعيد الذي كان وكيلاً لأبيه الهادي لفترة طويلة من إمامته التي امتدت 34 سنة ، وكذلك كان وكيلاً له لمدة 7 سنوات ، ثم صار نائباً للحجة (عج) لمدة خمس سنوات من الغيبة الصغرى .

ونجح أصحاب الإمام العسكري (ع) في مهمتهم أيّما نجاح والدليل : إيمانُ الجمهور الأعظم من شيعة الحسن العسكري (ع) بالمهدي (عج) واستمرار هذا الإيمان إلى يومنا هذا .

ومن أعمال الإمام العسكري (ع) أنه كان يراسل أتباعه وأصحابه ومحبيه ليرشدهم إلى السنُّة المحمدية ويدعوهم إلى تعميق الإيمان ويدعو لهم في قضاء حوائجهم ، فمثلاً يروي محمد بن الحسن بن ميمون قال : كتبت إليه أشكو الفقر ثم قلت في نفسي : أليس قد قال أبو عبد الله الصادق (ع) : الفقر معنا خير من الغنى مع غيرنا والقتل معنا خير من الحياة مع عدونا .
فرجع الجواب : إن الله عز وجل يخص أولياءنا إذا تكاثفت ذنوبهم بالفقر وقد يعفو عن كثير منهم كما حدثتك نفسك : الفقر معنا خير من الغنى مع عدونا ، ونحن كهف لمن إلتجأ إلينا ، نور لمن إستبصر بنا وعصمة لمن إعتصم بنا ، ومن أحبنا كان معنا في السنام الأعلى ومن إنحرف عنا فإلى النار .

تقواه وورعه :
أحمد بن عبيد الله بن خاقان ، أبوه عبيد الله بن خاقان كان وزيراً في الدولة العباسية ، وكانت بيده مقاليد الأمور أيام المعتز العباسي ، ابنه أحمد هو الذي يصف لنا القصة .

يقول : كنتُ جالساً مع أبي ، فأقبل الخادم وقال إليه : ابن الرضا أبو محمد يستأذنك بالباب ، تعجّبت ، كيف يكنّون شخصاً أمام أبي ، قال : أدخله ، وقام ، فلما دخل دخل رجلٌ حسن الطلعة جميل الوجه جيّد القامة جيّد الاستقامة ، لما رآه والدي قام إليه ، وقبّل ما بين عينيه ، وأجلسه في مجلسه ، وظل يحادثه ويستمع إليه ، تعجبت من ذلك ، من هذا الرجل ؟ وأنا ساكت ، إلى أن انتهت المحادثة بينه وبين أبي ، ثم أراد أن يخرج ، فقام أبي يشيّعه إلى الباب ، مجلاً مكبراً معظّماً ، فلما خرج قلتُ: رأيتُك فعلت بهذا الرجل ما لم تفعله إلا مع الخليفة ، فمن هذا الرجل ؟ قال : هذا الحسن العسكري بن علي بن محمد بن الرضا ، لو زالت الخلافة عن بني العباس لكان أولى الناس بها هذا ، لزهده وعفافه ونبله وعلمه وتقواه وورعه ، هذا إمام الرافضة .
وهذه وصية الإمام العسكري (ع) للشيخ بابويه القمي (ره) وهي موجودة ضمن مجموعة مخطوطة كتبت قبل 420 سنة تقريباً .
نص الوصيّة :

هذه وصية الإمام الحسن بن علي بن محمد العسكري (صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه وابنه الطّاهرين) التي أوصى بها في مكتوب كتبه إلى الشّيخ بابويه (رحمه الله) .

(بسم الله الرّحمن الرّحيم :
اعتصمت بالله ، الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين والجنّة للموحّدين والنّار للملحدين ولا عدوان إلا على الظّالمين ولا إله إلا الله أحسن الخالقين والصّلاة على خير خلقه محمد وعترته الطّاهرين .
أوصيك يا شيخي ومعتمدي أبا الحسن بن علي القمّي وفّقك الله مرضاته وجعل من صلبك أولاداً صالحين برحمته ، بتقوى الله وإقام الصّلاة وإيتاء الزّكاة ، فإنّه لا يقبل الصّلاة من مانع الزّكاة ، وأوصيك بمغفرة الذّنب وكظم الغيظ وصلة الرّحم ومواساة الإخوان والسّعي في حوائجهم في العسر واليسر ، والحلم عند الجهل والتّفقّه في الدّين والتّثبّت في الأمر والتّعاهد للقرآن ، وحسن الخلق والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، فالله عزّ وجلّ قال : {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين النّاس} واجتناب الفواحش كلّها ، وعليك بصلاة اللّيل وعليك بصلاة الليل وعليك بصلاة اللّيل . ومن استخف بصلاة اللّيل فليس منّا .

فاعمل بوصيّتي وأمر جميع شيعتي حتى يعملوا عليه ، وعليك بالصّبر وانتظار الفرج ، فإن النّبي (صلى الله عليه وآله) قال : (خير أعمال أمتي انتظار الفرج) . ولاتزال شيعتنا في حزن حتى يظهر ولدي الذي بشّر به النّبي (صلى الله عليه وآله) ، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً .

فاصبر يا شيخي أبو الحسن وأمر جميع شيعتي بالصّبر فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين .
السّلام عليك وعلى جميع شيعتنا ورحمة الله وبركاته وصلّى الله على محمد سيد المرسلين وآله الطّيبين الطّاهرين) .
يقول أحد العلماء :

الحسن العسكري وعلي بن الحسين كيف استطاعا أن يكوّنا لهما هذه الشخصية الراسخة ، وكيف صارت لهما هذه الأرضية الجماهيرية الممتدة المتمادية الأطراف ؟

وأجاب : نتيجة أن سيرة قادة الشيعة ، وسيرة أئمة الشيعة هي سيرة البعد عن الدنيا ، والبعد عن مظاهر الدنيا ، لا يلهثون ولا يجرون ولا يركضون وراء الدنيا ومناصبها ومراكزها ، لذلك تمتّع قادة الشيعة وأئمة الشيعة إلى يومنا هذا بالقداسة في النفوس ، وبالمنزلة الشعبية الجماهيرية العريضة الأطراف .

والحمد لله فإن المرجعية الشيعية مازالت تحظى بهذه الخِصال الناصعة والرائعة .

وأخيراً أدعو بدعاء الإمام العسكري (ع) وأُذيّله حاجتي : اللّهم بك يصول الصائل ، وبقدرتك يطول الطائل ، ولا حول لكل ذي حول إلاّ بك ، ولا قوّة يمتارها ذو قوّة إلاّ منك ، بصفوتك من خلقك ، وخيرتك من بريتّك ، محمّد نبيّك وعترته وسلالته عليه وعليهم السلام ، صلّ عليهم .. وارزقنا شفاعتهم في الدنيا والاخرة .