الجمعة - 19 يونيو 2026

خمس عواصم لتهدئة العالم: قراءة في رؤية جيرينوفسكي لمستقبل النظام الدولي..!

منذ 10 أشهر
الجمعة - 19 يونيو 2026

طه حسن الأركوازي ||

 

 

 

يشكّل الجدل حول ملامح النظام الدولي المقبل أحد أبرز محاور الدراسات في العلاقات الدولية المعاصرة ، فبينما تؤكد المدرسة الواقعية على حتمية الصراع بين القوى الكبرى وسعيها الدائم لتحقيق الهيمنة ، تطرح مقاربات أخرى مفهوماً مختلفاً يقوم على التعددية القطبية وتوازن المصالح بين مجموعة من الفاعلين الدوليين ، وفي هذا السياق ، تندرج الرؤية التي طرحها السياسي الروسي فلاديمير جيرينوفسكي قبل وفاته في أبريل 2022 ، والتي قدّم فيها تصوراً أستشرافياً لطبيعة التوازنات العالمية بحلول منتصف القرن الحادي والعشرين .

رأى جيرينوفسكي أن الاستقرار العالمي لن يتحقق إلا عبر تلاقي مصالح خمس عواصم أساسية هي : ( واشنطن ، موسكو ، بكين ، بروكسل ، ونيودلهي ) . ووفقاً لهذا الطرح ، فإن تشكُل محور متعدد الأقطاب يضم هذه القوى قد يشكل الإطار الأكثر واقعية لإدارة التفاعلات الدولية وتجاوز الانقسامات الراهنة .
تقوم هذه الرؤية على مجموعة من الفرضيات :

أولها : أن الهند مرشحة للعب دور توازني في العلاقة مع الصين ، أستناداً إلى حجمها الديمغرافي ، وتطورها الاقتصادي المتسارع ، وطبيعة نظامها السياسي الذي يختلف عن النمط الصيني ، ووفق هذا التصور ، فإن تعزيز مكانة الهند في المعادلة الدولية قد يساهم في الحد من احتمالات التصعيد بين القوتين الآسيويتين .

ثانيها : أن أوروبا ستجد نفسها مدفوعة لإعادة النظر في سياستها أتجاه روسيا ، بما قد يفضي إلى ترتيبات جديدة بشأن الأزمة الأوكرانية ، وربما قبول بعض أشكال إعادة ترسيم النفوذ في الفضاء الأوراسي ،
أما الولايات المتحدة ، ورغم أحتفاظها بدور مركزي ، فإنها ستواجه واقعاً مغايراً لمعادلة “القطب الأوحد”، الأمر الذي قد يفرض عليها التعامل كفاعل رئيس ضمن منظومة أوسع وأكثر تعددية .

ويذهب جيرينوفسكي أبعد من مجرد تحديد الأطراف الفاعلة ، ليشير إلى أن الوصول إلى مثل هذا التوازن الدولي سيكون عبر مسار طويل ومعقد ، فقد شبه الأزمة الأوكرانية بأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 ، مُعتبراً أن الحلول الواقعية لا يمكن أن تتحقق إلا عبر اتفاق مباشر بين موسكو وواشنطن ، غير أن تحقيق ذلك من وجهة نظره يستلزم ضغوطاً داخلية كبرى في الولايات المتحدة ، شبيهة بما جرى في حرب فيتنام ، حيث فرض الرأي العام مراجعة جوهرية لسياسات الدولة .

كما توقع أن يصل المجتمع الأوكراني ذاته إلى قناعة بأن أستمرار النزاع سيؤدي إلى نتائج كارثية ، وأن التسوية السياسية تمثل المسار الوحيد لتجنب الانهيار .

من زاوية تحليلية ، تتضمن هذه الرؤية إشارات مبكرة إلى التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي ، فهي تجمع بين إدراك محدودية الدور الأمريكي الأحادي ، وأحتمال إعادة تموضع أوروبا تجاه روسيا ، وتنامي ثقل الهند في التوازنات الآسيوية مقابل محاولات أحتواء اندفاع الصين ، وبهذا المعنى ، فإن الاستقرار إن تحقق سيكون نتاج عملية طويلة من التفاعلات التي تتخللها أزمات محلية وإقليمية .

وتبرز أهمية هذه القراءة في أنها لا تقتصر على القوى الكبرى فحسب ، بل تطرح أنعكاسات مباشرة على الدول المتوسطة والصغيرة ، إذ يشير الانتقال من نظام أحادي القطب إلى نظام متعدد الأقطاب إلى تقلص جدوى الارتهان لقوة بعينها ، وأرتفاع الحاجة إلى سياسات خارجية أكثر مرونة تستند إلى تنويع الشراكات وصون المصالح الوطنية .

بالنسبة للعراق والمنطقة العربية ، فإن هذا التحول يفرض إعادة التفكير في موقعهما ضمن المعادلة الدولية ، فبينما قد يفتح تعدد الأقطاب فرصاً لمزيد من هامش المناورة ، فإنه في الوقت ذاته قد يضاعف المخاطر في حال الاستمرار بعقلية التبعية أو الانتظار ، ومن ثم ، فإن أستيعاب هذه التحولات وبناء أستراتيجيات وطنية مستقلة يمثل شرطاً ضرورياً للحفاظ على الاستقرار الداخلي وتعزيز الدور الإقليمي .

في المحصلة ، تمثل رؤية جيرينوفسكي إحدى المحاولات لقراءة التحول من عالم القطب الواحد إلى عالم متعدد الأقطاب ، وهي رؤية تلتقي في بعض جوانبها مع مقاربات المدرسة الواقعية الجديدة التي تفترض أن الاستقرار لا يتحقق إلا من خلال توازن القوى ، وبغض النظر عن مدى تحقق التفاصيل التي أوردها ، فإن جوهر الطرح يعكس حقيقة أساسية مفادها أن الاستقرار العالمي لم يعد رهين قوة منفردة ، بل أصبح معادلة مركبة تتطلب إدراكاً جماعياً بأن الحوار والتسويات هي البديل الوحيد عن الفوضى والصراع المستدام…!