أشجاني..أمام ذاك المشهد المهيب..!
طالب الأحمد ||

عندما أكون حزينا ؛ أو عندما تستغرقني الأشجان في أزمة نفسية خانقة وأرى الدنيا وقد ضاقت كأن لا أحد فيها ..
وحين اتلتفتُ حولي فلا أجد أحداً يواسيني ؛ وأسمع كل الأصوات في العالم كأنها ضجيج بلا معنى، وأشعر بأني اعزل ووحيد للغاية مثل وردة يداهمها الذبول في صحراء قاحلة، حينها أتذكّر صبر زينب الكبرى عليها السلام عندما رأت اخوتها وابنائها واهل بيتها واحبتها وهم مُجزرين على رمضاء كربلاء ، ومع ذلك تقف شامخة وتقول بفخر وكبرياء : ما رأيت إلّا جميلا.
وهذا هو الصبر الجميل بل الأجمل من كل قصص الحياة عن الصبر عند الشدائد.
بطولة ما بعدها بطولة..
صبر ما بعده صبر..
ونور لا ظلام بعده.
زينب الكبرى تقول للإمام زين العابدين عليه السلام: ما لي أراك حزيناً ياقرّة العين؟
حقاً لا أكاد أن أتصوّر أو أتخيّل ذاك المشهد المهيب ..أن تواسي زينب إبن أخيها وترجو منه ألّا يحزن أو يجزع.
يقول الإمام زين العابدين عن ذاك المشهد:
(إنه لما أصابنا بالطف ما أصابنا، وقُتل أبي (عليه السلام)، وقُتل من كان معه من ولده وإخوته وساير أهله، وحُملت حرمه ونساؤه على الأقتاب يُراد بنا الكوفة، فجعلت أنظر إليهم صرعى، ولم يواروا، فيعظم ذلك في صدري، ويشتد لما أرى منهم قلقي فكادت نفسي تخرج، وتبيّنت ذلك مني عمتي زينب الكبرى، فقالت لي: مالي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي؟
فقلت:
وكيف لا أجزع ولا أهلع، وقد أرى سيدي وإخوتي وعمومتي وولد عمي وأهلي مصرعين بدمائهم مرملين بالعراء، مسلبين لا يكفنون ولا يوارون، ولا يعرج عليهم أحد، ولا يقربهم بشر، كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر.
فقالت عمتي: لا يجزعنك ما ترى، فوالله إن ذلك لعهد من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى جدك وأبيك وعمك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض، وهم معروفون في أهل السماوات أنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرّجة وينصبون لهذا الطف عَلماً لقبر أبيك سيد الشهداء لا يُدرس أثره، ولا يعفو رسمه، على كرور الليالي والأيام).
وبعد كل هذا يسأل الجاهلون: لماذا تحبون الحسين وأهل بيته إلى هذا الحد الجنوني؟
نقول لهم: إنه العشق المقدس
ليس مثل حُب الحسين حُب
ليس مثل عشق الحسين عشق
ليس مثل غرام كربلاء غرام
عشق الحسين هو العاطفة المُقدسة التي تجعل القلب حرم الله تعالى، وتجرف المشاعر إلى حافات الوله والهيام والتلاشى في ملكوت الله تعالى..
وأما الدموع على استشهاده فهي التي تصب ماء الحياة على كل قلبٍ كسير..
عشق الحسين..هو بلسم جِراحنا وشفاء آلامنا ومعاناتنا النفسية أياً كان سببها.
وأما موقف العقيلة زينب عليها السلام فهو إلهام الصمود والصبر عند الشدائد.. وأعظم درس للذين يستعظمون صغائر الأمور، ويحزنون على أمور فانية لا ينبغي أن تأخذ منا كل مأخذ.
***




