العمود الذي يهتز.. القصة الثانية من مجموعة نهر السيد وعمود الكهرباء..!
جليل هاشم البكاء ||

كان الناس يقولون إن الحديد إذا وُضع في غير موضعه يهتز، لكن لم يكن أحد يتخيل أن عمودًا من الكهرباء، غُرس في أرضٍ صلبة، سيرتجف كأنه قلبُ طفلٍ ضاع من أمه.
في يوم قائظ من صيف الناصرية، جاءت فرقة الكهرباء الحكومية ومعها مهندس شاب من المدينة، يلبس نظارات سوداء، ويتكلم بلغة الأمر. اختاروا موقعًا في أرض السيد كاظم ليزرعوا فيه عمودًا ضخمًا. وقف أحد أبناء الأرض، وكان رجلاً هادئًا، وقال لهم بلينٍ ومهابة:
– هذا الموضع لا يجوز، الأرض هنا مغصوبة، وهي لا ترضى أن تُؤخذ غصبًا.
ضحك المهندس وقال: – أرض؟ هذه صحراء، والعمود لا يسأل عن التاريخ، يسأل عن المسافة فقط!
أصرّوا على حفر الأساس. وقف الرجل جانبًا، رفع يده نحو السماء، وقال:
– نشكو إلى الله. لا نملك إلا الدعاء، لكنّ الأرض تعرف أهلها.
نُصب العمود. وتم تشغيل التيار. وبعد أسبوع، بدأت تظهر الغرابة.
كل الأعمدة الواقفة في الخط الطويل كانت مستقرة، ساكنة كأنها نخيلٌ قديم. إلا عمودًا واحدًا، ذاك الذي زُرع في أرض السيد كاظم. كان يهتز كل مساء، يصدر طنينًا خفيفًا، تنبعث منه شرارات صغيرة، تلمع ثم تختفي كعيونٍ تتوعد.
في البداية، اعتقدوا أن السبب تقني. أرسلوا فرقة صيانة، فلم تجد خللاً. استبدلوا بعض القطع، فاستمرت الاهتزازات. أنشأوا تقريرًا كاملاً، ورفعوه إلى الدائرة، فجاء الرد:
العمود سليم، ربما الرياح.
لكن الغريب أنه حتى في سكون الليل، كان يهتز. وكل من يقترب منه يشعر بشيء غريب في جسده، كأن النبض يسرع فجأة، وكأن اليد التي تمسّه ترتجف دون سبب.
الأمر لم يقف عند ذلك.
في ليلة شتوية عاصفة، اقترب أحد العمال – وكان ساخرًا دائمًا من كرامات الاتقياء – أراد أن يلتقط صورة سيلفي مع العمود المهتز ليضحك بها مع أصدقائه. لكنه ما إن وقف تحته، حتى اندفعت شرارة قوية من قاعدته، أصابت كفه بحروقٍ طفيفة، لكنه منذ تلك الليلة لم يعد يقوى على رفع يده.
زار الطبيب، حار في أمره. فقال له أحدهم: – أوجاع اليد ما تجي من شرارة كهربا، تجي من شرارة الغفلة.
كان السكان يتداولون الأمر في همسات. البعض كان يقول: – العمود ما يهتز… الأرض هي التي ترتج.
وبينما استمرت الجهات المسؤولة في تجاهل الشكاوى، بقي العمود غريبًا، كأنه واقف عنوة. وذات فجر، رآه راعٍ من أهل البادية، فاقترب منه لينظر، ثم قال بصوت مسموع:
– غُرس ظلمًا… لا عجب إن اهتزّ.
ومنذ ذلك اليوم، صار يطلق عليه أهل القرية اسمًا جديدًا: عمود الندم.
ولم يعد أحد يمر من جواره إلا رفع السلام، كما يُسلّم على قبرٍ ولي او شخص معروف.




