إيران تفرض معادلة ردع جديدة .؟!
طه حسن الأركوازي ||

في أعقاب التصعيد الأخير بين إيران والكيان الصهيوني برز مشهد جديد يعيد رسم ملامح التوازنات في الشرق الأوسط فقد أثبتت الجمهورية الإسلامية قدرتها على الردع الاستراتيجي بعد أن وجهت ضربات نوعية ومختاره أستهدفت فيها العمق الإسرائيلي ومحيطه مُعلنة أن زمن الهيمنة الأحادية قد بدأ يتآكل ، وأن منظومة الرد لم تعد مقتصرة على البيانات أو الوساطات الدولية بل باتت تترجم على الأرض بلغة الصواريخ والطائرات المسيّرة .
هذا الرد الذي جاء تحت إشراف مباشر من القيادة العليا للقوات المسلحة الإيرانية لم يكن مجرد فعل عسكري بل رسالة سياسية وأمنية موجهة إلى من يعتقد أن إيران قد باتت في موقع الدفاع الدائم ،
فما جرى أظهر أن القواعد العسكرية الأميركية والصهيونية المنتشرة في الشرق الأوسط لم تعد مناطق آمنة وأن خط النار بات يمتد من مضيق هرمز حتى أطراف الجليل مروراً بالعراق وسوريا ولبنان واليمن إنها خريطة أشتباك جديدة تُرسم بتوقيع المقاومة وحلفائها لا بأتفاقيات التطبيع أو تحالفات الردع البارد .
لقد مكّنت لحظة المواجهة الأخيرة من أختبار جاهزية المنظومات الصاروخية والدفاعية لدى الجانبين لكن ما يُلفت أن الجمهورية الإسلامية لم تكتفِ بالرد بل وسّعت هامش المبادرة وحوّلت التهديد إلى فرصة لإعادة تموضع سياسي وأمني في المنطقة فاليقظة والتوقيت وسرعة القرار فضلاً عن وحدة الموقف الشعبي والعسكري صنعت مشهداً مُغايراً لما أعتادت عليه المنطقة في السنوات الماضية وهذا ما يثير مخاوف عواصم القرار في تل أبيب وواشنطن وعواصم عربية مجاورة تتعامل بحذر بالغ مع تصاعد الدور الإيراني لا سيما في ظل تشظي النظام العربي الرسمي وأنهيار أدوات الردع التقليدي.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد أشتباك بين خصمين ، بل هو صراع على نمط النظام الإقليمي القادم ، فإيران لم تعد محاصرة خلف حدودها بل باتت لاعباً ميدانياً على أمتداد رقعة الصراع وقد تجلى ذلك بوضوح خلال الحرب الأخيرة التي أستمرت أثني عشر يوماً حيث أظهرت الفصائل الحليفة لطهران قدرة ميدانية عالية سواء في غزة أو في جبهات الجنوب اللبناني أو في اليمن ، وحتى في سوريا والعراق ما يدل على أن ما يجري ليس معركة معزولة بل فصل من فصول إعادة رسم قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط .
أما في العراق فإن لهذه التطورات أنعكاسات مباشرة فالقواعد الأميركية المنتشرة في العراق باتت ضمن الحسابات النارية لأي تصعيد مُقبل وهو ما يجعل من العراق ساحة تماس محتملة في حال أنزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة كما أن أنقسام الموقف العراقي الرسمي بين محاور مختلفة يجعل البلاد أكثر عرضة للتجاذب لا سيما في ظل عدم وجود أستراتيجية وطنية موحدة تضمن الحياد الإيجابي أو التموضع الواعي ،
وقد أظهرت تجارب السنوات الأخيرة أن غياب الرؤية الأمنية والسياسية العراقية المستقلة قد كلف البلاد أثماناً باهظة أبرزها تحويل أراضيها إلى منصات للرد والرد المضاد .
تشير الإحصاءات والتقارير الأمنية إلى أن إيران رغم العقوبات والضغوط الاقتصادية قد أستطاعت تطوير منظومتها الصاروخية إلى درجة باتت فيها قادرة على ضرب أهداف دقيقة على بعد يتجاوز ألفي كيلومتر وهو ما يجعل وجودها العسكري أكثر من مجرد تهديد بل واقع جيوسياسي يجب التعامل معه بمنطق جديد ، فالردع لم يعد توازن قوة بل توازن إرادات وهي معادلة لا يمكن لإسرائيل أو حلفائها تجاوزها دون أن يدفعوا كلفة باهظة .
الواقع الراهن يضع المنطقة أمام مفترق طرق فأما مسار تصعيد قد يؤدي إلى حرب شاملة ، وإما مسار تفاوض قائم على قواعد أشتباك جديدة تفرضها القوة الفعلية لا البيانات الدبلوماسية وبين هذين المسارين يقف العراق أمام سؤال وجودي يتعلق بموقعه من هذا الصراع وهل يريد أن يكون حديقة خلفية لصراعات الآخرين أم دولة ذات سيادة تقرر مصيرها وموقعها الإقليمي بعقلانية وأستقلال .
في ظل هذا المشهد المتداخل يبدو أن التصعيد لم يبلغ نهايته بعد بل يتهيأ لمرحلة أشد تعقيداً خاصة مع أقتراب الانتخابات ، والتوتر المتزايد على الجبهات الشمالية لفلسطين ، والتغيرات في المواقف الإقليمية من الخليج إلى المتوسط ، وهنا يبرز دور العراق بوصفه دولة مفصلية لا يمكنها أن تبقى على هامش الحدث ،
ولا أن تسمح بتحول أراضيها إلى صندوق بريد لصراعات الآخرين إن تموضع العراق القادم يجب أن يُبنى على معادلة دقيقة توازن بين مصالحه الاستراتيجية وأستحقاقاته الوطنية ، وتمنع في الوقت ذاته أستنزافه في حروب لا يملك قرارها ولا مداها ،
فالدولة التي لا تملك رؤيتها الأمنية والسياسية ستُكتب ملامحها بمداد الآخرين ، ولن تجد متسعاً للندم حين تُقرع طبول الحرب على حدودها دون أن تمتلك حتى قرار الحياد …!




