السبت - 20 يونيو 2026

تمويل التنظيم السياسي.. بين الضرورات والمحذورات..!

منذ سنة واحدة
السبت - 20 يونيو 2026

سالم رحيم عبد الحسن ||

 

 

 

التمويل السياسي ليس قضية ثانوية في العمل الحزبي، بل أصبح عنصرًا حاسمًا في تشكيل هوية التنظيمات السياسية، وفي قدرتها على البقاء والتأثير في المشهد العام.

ففي ظل تصاعد التحديات وتنامي الحاجة إلى حضور جماهيري وإعلامي فعّال، بات المال ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، إذ يمكّن الأحزاب من إدارة حملاتها الانتخابية، وتنظيم نشاطاتها، وتوسيع قاعدتها الشعبية.

لكن أهمية المال في العمل السياسي لا تعني أنه عنصر بريء أو محايد. فحين يُستخدم التمويل بشكل منظم وشفاف ومنبثق من مصادر قانونية، فإنه يعزز من استقلال القرار السياسي، ويمنح التنظيم أدوات قوية للعمل بحرية وتخطيط بعيد المدى. غير أن الخطورة تكمن في انحراف التمويل عن مساره، سواء من خلال الاعتماد على مصادر خارجية تفرض أجنداتها، أو من خلال غياب الشفافية، وتحوّل المال إلى وسيلة لشراء الولاءات، وتثبيت النفوذ داخل الهياكل الحزبية.

وفي كثير من التجارب، شكّل غياب الرقابة المالية أحد أبرز أسباب تراجع ثقة الشارع بالتنظيمات السياسية.

فقد أفرز ذلك نوعًا من الأحزاب التي تُدار كأنها مشاريع خاصة، أو واجهات لمصالح اقتصادية أكثر من كونها مؤسسات نابعة من إرادة شعبية أو رؤية وطنية. وهذا ما عمّق الفجوة بين الجمهور والعمل السياسي، ورسّخ صورة سلبية عن الأحزاب بوصفها أدوات لجني الامتيازات لا لتحقيق التغيير.

لا يُطلب من الأحزاب أن تعمل بلا موارد، فهذا وهم لا يصمد أمام الواقع. لكن المطلوب هو أن يكون التمويل خاضعًا لمعايير قانونية واضحة، ومُراقبًا من جهات مستقلة، وتحت أنظار المجتمع ووسائل الإعلام.

فحين تُفتح ملفات التمويل على العلن، وتُحاسب التنظيمات على مصادر أموالها وطرق صرفها، تزداد الثقة، وتُمنح الحياة السياسية فرصة للنضج والتعافي.

إن المال حين يُدار بحكمة يمكن أن يكون رافعة للعمل السياسي المسؤول، أما حين يُوظف في الظل، فإنه لا يلبث أن يتحوّل إلى عبء يُقيد التنظيم ويشوّه مساره. وفي زمن أصبحت فيه الشفافية مطلبًا عامًا، لم يعد مقبولًا أن تُترك أبواب التمويل مواربة، ولا أن تبقى الأسئلة معلّقة حول من يُموّل من؟ ولماذا؟ وبأي ثمن؟