المواطنة وحدة بناء، والكفاءة وحدة قياس..!
محمد عبد الجبار الشبوط ||

قراءة في مرتكزين من مرتكزات الدولة الحضارية الحديثة
تمثل الدولة الحضارية الحديثة (د.ح.ح) نموذجًا متقدمًا للدولة التي تسعى إلى الجمع بين القيم الإنسانية العليا ومتطلبات العصر، على أسس فكرية وتنظيمية واضحة. ومن بين أبرز شعاراتها ومبادئها الجوهرية ما يرد في المقولة: “في الدولة الحضارية الحديثة: المواطنة وحدة بناء، والكفاءة وحدة قياس”، وهي مقولة تختزل جانبًا مهمًا من الفلسفة السياسية والإدارية لهذا المشروع.
أولًا: المواطنة وحدة بناء الدولة
في الدولة الحضارية الحديثة، المواطنة لا تُعرّف فقط بالانتماء الجغرافي أو الوراثي، بل تُعد أساسًا حقوقيًا وأخلاقيًا لبناء الدولة. كل مواطن، بصرف النظر عن قوميته أو دينه أو مذهبه أو طبقته الاجتماعية، هو لبنة متساوية في بنيان الدولة:
– هذا المفهوم يُقصي الانتماءات الهوياتية الفرعية عن مجال تحديد مكانة المواطن داخل الدولة.
– تبنى الدولة الحديثة على أساس الانتماء الوطني الحضاري لا الطائفي أو العرقي.
– تُضمن الحقوق والواجبات بالتساوي، ليصبح المواطن هو الركيزة الأساسية في بناء النظام العام للدولة.
فلا فضل لعربي على كردي، ولا لمسيحي على مسلم، ولا لشيعي على سني، إلا بمقدار التزامهم بالقانون والمساهمة في خدمة المجتمع.
ثانيًا: الكفاءة وحدة قياس القيمة والأداء:
بينما تُبنى الدولة على أساس المواطنة، فإن الكفاءة هي التي تحدد من يتولى المسؤوليات والمناصب العامة، ومن يستحق الثقة والأدوار الحيوية في تسيير شؤون الدولة:
– الكفاءة تشمل التأهيل العلمي، والخبرة العملية، والقدرة على الإنجاز، والنزاهة الأخلاقية.
– لا تُمنح المناصب على أساس الولاء السياسي أو القرابة أو المحاصصة، بل على أساس من هو الأقدر على تحقيق المصلحة العامة.
– هذا يحول دون الفساد الإداري، ويعزز من مبدأ التنافس العادل في الفرص والوظائف.
ثالثا، جدلية التكامل بين المفهومين
إن الجمع بين المواطنة كوحدة بناء والكفاءة كوحدة قياس هو ما يميز الدولة الحضارية الحديثة عن الأنظمة التقليدية:
– المواطنة تضمن الحق في المشاركة.
– الكفاءة تضمن الجدارة في التمكين.
وهكذا يُفصل بين الحق في الانتماء والحق في التمكين، دون أن يتنافى ذلك مع مبدأ العدالة. فكل مواطن شريك في الدولة، لكن لا يُعطى موقع القيادة أو الإدارة إلا لمن يستحقه.
الخلاصة:
بهذه الثنائية المتكاملة، تقدم الدولة الحضارية الحديثة تصورًا تقدميًا لمفهوم الدولة والمجتمع، يتجاوز التوزيع العشوائي أو الظالم للسلطة والفرص، ويؤسس لنظام عقلاني وعادل وفعال. إنها دولة لا تكتفي بأن يكون الجميع جزءًا منها (المواطنة)، بل تُحسن اختيار من يديرها (الكفاءة).
#الدولة_الحضارية_الحديثة




