السبت - 20 يونيو 2026

الشيعة بين واقع المتغيّرات وفهم التحديات..!

منذ سنة واحدة
السبت - 20 يونيو 2026

أحمد نعيم الطائي ||


يتفق عدد من المحللين والكتّاب والصحافيين الأجانب والعرب على نظرية التدخل الغربي، لاسيما الأميركي في تأجيج ما يُعرف بـ (ثورات الربيع العربي) التي انطلقت بشكل متوالٍ مطالبةً بالحرية والمساواة وتحسين الأوضاع الاقتصادية ،

وهناك إشارات لدعم الشباب العربي والمسلم في تونس ومصر وليبيا وسوريا والعراق والجمهورية الإسلامية في إيران، عبر شركات مثل شركة (غوغل) الأميركية وغيرها، ومنظمات غير حكومية لها مقار في الكثير من دول الشرق الأوسط. حيث قامت تلك الجهات بتدريب الشباب العربي على النشاط المدني المعارض وصناعة المحتوى المغذي للفوضى والدمار، وزجّ العناصر الإجرامية وتمويلها لإراقة الدماء لتوسيع الغضب وتأجيج الاقتتال بين مكونات الشعوب المستهدفة ، فضلاً عن تحديد نماذج الشعارات التي لم تطل أميركا والكيان أو الغرب.

النظر بعمق أكبر وأشمل للمتغيرات الجذرية التي طالت بعض أنظمة الحكم في الوطن العربي بعد هذه الثورات والفوضى الخلاقة وآخرها ما حدث في سوريا، سنجد أن جميع هذه الأنظمة كانت تعرف بسياساتها العلمانية التسلطية ، التي تم تغيرها وتسليم مقاليد الحكم لجهات دينية متطرفة لها تاريخ “إرهابي” ،

كما حدث في مصر وليبيا ومؤخراً في سوريا، مما جعل طيفاً واسعاً من شعوب تلك البلدان تترحم على الأنظمة الاستبدادية العلمانية التي كانت تحكمها ، وأصبحت أدركت أن حقيقة التغيير هي لعبة وغايات غربية رسمت أهدافها الدوائر الاستخبارية في أميركا والكيان الصهيوني.

عند البحث في مخرجات تلك الثورات أو الاحتجاجات وما آلت إليه من متغيرات جذرية في إدارة الحكم وآخرها ما حدث في سوريا، تبرز للمتابع عدة مؤشرات أهمها:

*تحقيق مشروع تفكيك العقيدة الإسلامية بيد العرب المسلمين أنفسهم من خلال تسهيل مهمة صعود الإسلاميين المتطرفين ممن يؤمنون بالفكر الإرهابي في بلدان تعاني من أزمات اقتصادية خانقة وأرضية خصبة لإشعال التناحر الديني والمذهبي والقومي ،

وبطبيعة الحال هؤلاء الإسلاميون المتطرفون غير قادرين على وضع حلول للأزمات بل يسهمون بفعل طبيعتهم الإجرامية والتسلطية في تأزيم الأوضاع وتفاقمها، مما يُزيد من نقمة الشعوب على الإسلام كدين ورسالة.

*من أدوات مشروع تفكيك المنظومة والعقيدة الإسلامية إغراق الشعوب العربية المستهدفة بالمخدرات وأشاعة الانحلال والتفكك الأسري والتفاهة، وتغيّب السلوكيات المجتمعية الصالحة والقيم الإسلامية السامية ،

وهذا يذكرنا بمشروع تفكيك الاتحاد السوفيتي وإسقاط الأنظمة الشيوعية في دول أوروبا الشرقية، ونبذ الشيوعية كفكر وممارسة وإزالة معالمها ورموزها من قبل شعوب تلك البلدان دون تدخل أميركا أو الغرب عسكرياً

*ان مديات هذا المشروع الشرق أوسطي هدفه ليس التغيير الديمغرافي أو الجيوسياسي كما يُشاع إعلامياً، بل هو مشروع استراتيجي بتمويل مالي واستخباري وإعلامي وفكري مفتوح لتغيير معتقدات ومفاهيم وعادات الشعوب الإسلامية والعربية بأخرى منحرفة ومنحلة يمكن من خلالها السيطرة على مقدرات وموارد تلك البلدان وجعل شعوبها ذليلة تعيش حالات من التيه والهوان.

*يكون اسقاط حكم الإسلاميين المتطرفين من سدة الحكم تدريجياً ومحكوم بتحقيق الأهداف المرسومة التي ذكرناها أعلاه، وفي الغالب نهايتهم لا تختلف عن نهاية الحكام العلمانيين الاستبداديين ، وبهذا يتحقق الجزء الأهم من المشروع الأميركي والصهيوني بحدوث التغيّر مرة ثانية محلياً ايضاً دون تدخل عسكري، بحيث يتم إعدام رأسيْن بطلقة واحدة.

الصدمة ان هذا المشروع الكبير المحكم ارتطم بصخرة العقيدة الإسلامية الشيعية التي فتت الجزء الأهم منه، حين أفشلت المرحلة الأولى منه في صفحة ما يُعرف بــ”تظاهرات تشرين” التي أشاعت الفوضى الخلاقة والدمار، واستغلال رموزها المأجورون النقمة الشعبية المنساقَة بعاطفة تحقيق مستويات معيشية أفضل وتوفير الخدمات الأساسية ، والحال نفسه تكرر في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

هنا لا بد من الإشارة إلى أن هذا المشروع الناعم وُضعت له اميركا والكيان رؤيا وأهداف مغايرة لأسلوب اسقاط الأنظمة العربية السنية العلمانية واستبدالها بالإسلاميين المتطرفين ، وتحول هذا المشروع إلى حربين متزامنتين: إحداهما ناعمة مكثفة وأخرى عسكرية مباشرة تستهدف تحديداً العقيدة الشيعية الحقة كمنهج وممارسة ورموز، فضلاً عن استهداف المرجعية الدينية كمرتكز أساسي للتعبئة الشعبية في العراق وإيران وجنوب لبنان واليمن وكل المناطق التي يتواجد فيها الشيعة.

لا شك أن داعمي هاتين الحربين المفصليتين من الأجانب والاعراب ما زالوا يراهنون على تحقيق الأهداف، لاسيما بعد تمكين الزمر الإرهابية من السيطرة على سوريا، والتي رافقتها حملات إعلامية تضليلية هدفها ترويع الشيعة وإضعاف الروح المعنوية لديهم وتقويض نشوة الانتصارات التي حققتها فصائل المقاومة الإسلامية الشيعية على الكيان وإفشال أهدافه في القضاء على المقاومة والمقاومين.

أمام هذه التحديات الكبيرة والجبهات المتعددة التي تستهدف الشيعة كعقيدة ووجود، تبرز حاجة المكون الشيعي الملحة للتمسك بالجبهة الأقوى، وهي الجمهورية الإسلامية التي يمكن أن توصف بالعمق والملاذ الآمن للشيعة في كل مكان، والقوة القادرة على تأمين استمرار وجودهم وتاثيرهم وحمايتهم من الإبادة، كما يحتمي السُنة بأميركا والكيان كعمق وملاذ لاستمرار وجودهم وتأثيرهم وتحكمهم بمصائر بقية المكونات ، ويقيناً أصبحت قوة الشيعة من قوة الجمهورية الإسلامية ،

وهذه المتغيّرات الجديدة تفرض على الشيعة تحديات مفصلية ، لاسيما ان الاستهدافات الوحشية والحرب والتعبئة العلنية التي تشن ضدهم تستوجب منهم ان يستدركوا ويفهموا بوعي عالٍ ، ان كل شيعي وليس بالضرورة ان يكون مؤمن بعقيدته ، هوهدفاً متاحاً للتصفية اوالملاحقة ، لذلك امامهم خيارين: إما الوجود المتحد المحمي تحت غطاء الجمهورية الإسلامية أو العيش والموت بذلة وخنوع.