ترامب وتحول الخطاب من Peacemaker إلى Piecemaker: تفكيك المنطقة تحت شعار السلام..!
بهاء الخزعلي||

في عهد دونالد ترامب، تحوّلت السياسة الأمريكية في غرب آسيا من خطاب “صناعة السلام” إلى استراتيجية قد تُفكك المنطقة إلى قطعٍ متناثرة (Piecemaker)، عبر خططٍ مثيرة للجدل تتراوح بين تهجير الفلسطينيين وإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية.
بينما قدّم ترامب نفسهُ ذات يوم كوسيطٍ تاريخي عبر “اتفاقات إبراهيم” (2020)، تُكشف اليوم عناوين سياساته الجديدة عن نهجٍ يعيد إنتاج الأزمات بدلًا من حلها.
*تهجير غزة: من التطهير الديموغرافي إلى تفريغ القضية.
أشارت تقارير حديثة إلى مناقشات داخلية في إدارة ترامب حول تهجير سكان غزة إلى الأردن ومصر، كجزءٍ من “حل نهائي” للصراع. هذه الخطة، التي تلقى ترحيبًا من حكومة نتنياهو اليمينية، وتتناقض مع الحقوق الفلسطينية وتستغل الوضع الإنساني الكارثي في القطاع. مصر والأردن، اللتان تعانيان أصلاً من أزمات اقتصادية واجتماعية، ترفضان تحمُّل تبعات سياسة الكيان الصهيوني الإرهابية، والتي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية.
التهجير ليس مجرد انتهاك للقانون الدولي، بل هو تفكيكٌ لمبدأ الدولتين واستبداله بصراعٍ ديموغرافي جديد.
*لبنان تحت الوصاية: من الفوضى إلى التقسيم:
تتحدث مصادر عن مشروع أمريكي-صهيوني لفرض “وصاية دولية” على لبنان، بحجة إنقاذه من الانهيار الاقتصادي والفراغ السياسي. لكن جوهر الخطة يهدف إلى تحييد دور المقاومة وتسهيل الهيمنة الصهيوأميركية على موارد البلاد، مثل حقول الغاز البحري.
في لبنان، الغارق في أزماتٍ منذ انفجار مرفأ بيروت (2020)، قد يتحول إلى ساحةٍ لصراعٍ بين مشاريع خارجية، ما يعمق الانقسامات الطائفية ويُهدد سيادته.
*التطبيع السعودي: السلام الاقتصادي فوق الحقوق:
رغم عدم إعلان السعودية عن تطبيعٍ مع الكيان الصهيوني ، إلا أن مفاوضاتٍ سريةً تُدار بوساطة أمريكية لربط التطبيع بضمانات أمنية واقتصادية، مثل اتفاق دفاعي أمريكي وبرامج نووية سلمية. لكن الحرب على غزة (2023) كشفت هشاشة هذا المسار: أي خطوة سعودية نحو التطبيع دون ضماناتٍ لحل عادل للفلسطينيين ستُضعف شرعيتها كقائدةٍ للعالم العربي الخليجي على الأقل.
وترامب، الذي يعتبر التطبيع إنجازًا شخصيًا، يُهمّش الحقوق مقابل صفقاتٍ تجارية.
*إيران والاتفاق النووي: الضغط بدلًا من الدبلوماسية.
بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي (2018)، عادت واشنطن لتلوح باحتمال “اتفاق جديد” مع طهران، لكن بشروطٍ تعجيزية تشمل تغيير السلوك الإقليمي الإيراني. الخطة الأمريكية تهدف إلى كسر التحالف الإيراني-الروسي-الصيني عبر منح طهران تنازلاتٍ اقتصادية، لكن مع نهج “العصا الغليظة” الذي يتبناه ترامب فهذا يُقلل فرص التفاوض.
خصوصاً مع معرفتنا بثبات شخصية صانع القرار الإيراني وطريقة تفاوضه، حيث يفاوض المفاوض الإيراني على المصالح وليس على المبادئ،) ذلك يعتبر أي تفاوض أو أي اتفاقٍ غير متوازن سيزيد التوتر، خاصة مع استمرار دعم إيران لفصائل المقاومة في المنطقة.
*ترامب من Peacemaker إلى Piecemaker: لماذا الفشل مُحتّم؟
تحوّل ترامب من “صانع سلام” إلى “مفتتٍ للمنطقة” (Piecemaker) يعكس رؤيةً استعماريةً قديمة: إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق مصالح القوى العظمى، دون اعتبار لإرادة الشعوب.
مخططات التهجير والوصاية والتطبيع تُعالج الأعراض عبر تفكيك النسيج الاجتماعي، لكنها تتجاهل جذور الأزمات، مثل الاحتلال الصهيوني لفلسطين ومخططات التوسع نحو لبنان وسوريا وقد تشمل مصر والأردن قريباً. النتيجة المتوقعة هي مزيدٌ من العنف: فالشعوب التي تُهجّر أو تُحكم بالوصاية لن تختفي، بل ستتحول إلى قنابل موقوتة.
*الخاتمة: هل السلام ممكن بدون عدالة؟
العبث بمصير ملايين الفلسطينيين واللبنانيين، والرهان على ديكتاتورياتٍ هشّة، والتفاوض مع إيران بلغة التهديد، كلها سياساتٌ تنتج سلامًا هشًا قائمًا على الخوف، لا على العدالة. العنوان الساخر “Piecemaker” ليس مجرد تلاعب لفظي، بل هو تعبيرٌ عن مصير منطقةٍ تُدفع ثمن أحلام الإمبراطوريات القديمة.
إذا كان السلام يعني نهاية الاستعمار، فخطة ترامب ليست سلامًا، بل إعادة تشكيلٌ للاستعمار بوجوهٍ جديدة.




