دم الشوق..!
طالب الأحمد ||

ذات يوم..دخلت إلى استوديو فخم للتصوير في أحد أحياء بغداد لإلتقاط صورة مطلوبة مني لجواز السفر.
في الإستوديو رأيت صوراً جميلة لعرسان أبهى من ندى الورد تُزيّن الصالة والواجهة الزجاجية..
وأنا أهمّ بدخول غرفة التصوير لمحت في ركن الإستوديو صورة كبيرة لعروسيّن في مقتبل سن الشباب يؤطرها “برواز” مُذّهب بهت بريقه بتأثير الغبار المتراكم.
في الصورة تقف العروس كالملاك بحلّتها البيضاء وهي تطوّق العريس بكلتا يديها..كأنها تقول لعريسها: أنتَ لي إلى الأبد..لن نفترق..ولن ادع قلبك يهفو يوماً لإمرأة سواي.
بقيت متسمراً عند الصورة..نسيت ما جئت لأجله..أحسست بأن ثمة سرّ ما يكمن فيها وتساءلت في داخلي:
لماذا الصورة مهملة هكذا ؟!
اقتربت من الصورة فلمحت تهشماً في زجاجها عند ابتسامة العروس في لحظة العناق مع عريسها..إقتربت أكثر..مسحت الغبار عنها بيدي فرأيت قطرات دم صغيرة متجمدة في هشيم الزجاج.
إرتعب قلبي للوهلة الأولى..هل هذا هو عرس الدم؟!..
سألت صاحب الإستوديو بفضول عن حكاية هذه الصورة.
تطلع هو الآخر إليها بعينين حزينتيّن ؛ وقال لي متحسراً:
جاءت هذه العروس مع عريسها وهي في ذروة السعادة والإبتهاج..ارتدت بدلة العرس المخصصة لصور العرسان ، وقالت لي يومها: أريد تكون صورتنا هي الأجمل بين كل الصور..قلت لها سوف يستغرق الأمر وقتاً حتى أعمل لها الإطار وأجعلها آيقونة الإستوديو.
وواصل حديثه بأسى: مرت أيام عديدة بعد أن أكملت تأطير الصورة ولم تأتي العروس ولا العريس لإستلامها ودفع ثمنها..لم أعرف سبب الغياب وبعد فترة علمت أن العريس إلتحق بالحرب على تنظيم “داعش” عند إعلان فتوى الجهاد ثم سرعان ماعاد شهيداً وهو لم يكمل شهر العسل.
شعرت بالشجن يجتاحني أسفاً على تحول العرس إلى مأتم..على العروس التي أطفأت الحرب شعلة حبها سريعا وهي في أوج التوهج..
سألته وقلبي يتفطر ألماً: وماقصة قطرات الدم والزجاح المهشم؟!.
قال لي: بعد مدة ليست بالقصيرة دخلت الإستوديو إمرأة كبيرة في السن تتشح بالسواد، قالت لي أنها أم العريس الشهيد وتريد أن تدفع ثمن الصورة لتُبريء ذمته..رفضتُ أخذ المبلغ ودفعت إليها الصورة لتأخذها معها..وما أن رأت الصورة حتى
أجهشت بالبكاء..حملت الصورة بكلتا يديّها وهمت بتقبيل ولدها الشهيد..ومن فرط حزنها وجزعها هوت برأسها على الصورة المؤطرة بالزجاج فسالت من جبينها قطرات دم..رمت النقود على مكتبي وصاحت بيّ: أرجوك إرحمني..لا أطيق أن أرى عرس ولدي بعد رحيله.
تألمت كثيراً وأنا أتخيّل في خاطري مشهد الأم الثكلى وقد سال دم الشوق على جبينها..وقلت في سرّي: كم من أمثال هؤلاء الشهداء الذين سارعوا للدفاع عن وطنهم ولم يترددوا في أداء الواجب حتى وهم في غمرة الفرح والحبور في شهر العسل، ورغم ذلك لا نجد بين الساسة ، سوى القليل ، ممن يعتبر من دروس الإيثار والتضحيات تلك ويجعل من حب الوطن بوصلة السياسة وغاية الغايات.
على أن مايؤلمني أكثر هو أن تستمر أمهات وزوجات الشهداء يراجعنّ مراراً ،ولفترات طويلة، هذه المؤسسة أو تلك من أجل نيل حقوقهن، ويكابدن معاناة الروتين وعدم الإكتراث أحيانا من مسؤولين ماكان لهم أن يبقوا في مواقعهم الإدارية لولا دماء أولئك الشهداء الأبطال.
إنتظار الإمهات والحبيبات لنعوش الأحبة موجعٌ للقلب..وإنتظار نيل حقوق الشهداء لفترات طويلة يعني عدم الوفاء لتضحياتهم ولدمائهم الزاكية.
أتمنى أن تصل رسالة “دم الشوق” لمن يعنيهم الأمر..وليتذكر الجميع أن الشهداء هم من يصنع الأمل، وهم الذين جعلوا البسمة ممكنة في هذا البلد الحزين.
أيها الشهداء الرافلون بالمجد..أنقل رسالة الأمهات إليكم : لن ننساكم..لن يجف دم الشوق..سلاماً لأرواحكم التي عرجت للملكوت ما بقيّ العراق وما بقيّ الليل والنهار.




