الخميس - 18 يونيو 2026
منذ سنة واحدة
الخميس - 18 يونيو 2026

أ.د.جاسم يونس الحريري ||

بروفيسور العلوم السياسية والعلاقات الدولية

للاتصال بالكاتب:-jasimunis@gmail.com

((الإبادة))هي القتل المتعمد الجماعي لمجموعة كاملة من الأشخاص، وهي من ضمن الجرائم ضد الإنسانية.أما الإبادة الجماعية فيمكن تعريفها بأنها الفظاعات التي ترتكب أثناء العدوان، على أساس عرقي أو ديني. ويمكن تعريفها بحصر عناصرها، وهو ما حاولت المادة الثانية من اتفاقية 1948 الخاصة بمنع جريمة الإبادة الجماعية أن تقوم به.

وبدوره يعرف “نظام روما الأساسي” المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، الإبادة الجماعية حيث  تم اعتماد “نظام روما الأساسي” في 17 من يوليو/تموز 1998، خلال مؤتمر الأمم المتحدة الدبلوماسي للمفوضين المعني بإنشاء محكمة جنائية دولية، والذي عُقد في روما.

وقد بدأت منظمة العفو الدولية متابعة عملية صياغة “نظام روما الأساسي” في عام 1993، عندما كانت اللجنة القانونية الدولية تعكف على مسودة الصياغة.

وقُدمت المسودة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1994.

بعد ذلك، تابعت المنظمة جهودها وقدمت إسهامات خلال العملية السياسية لمراجعة مسودة اللجنة القانونية الدولية، وهي العملية التي تولتها لجنة خاصة معنية بإنشاء محكمة جنائية دولية، شكلتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعقدت اجتماعين في عام 1995 ، واستمر العمل من خلال “اللجنة التحضيرية المعنية بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية”، التي عقدت ستة اجتماعات خلال الفترة من عام 1996 إلى عام 1998.

بأنها “ارتكاب أفعال معينة على نطاق موسع، يتم تنفيذها بقصد القضاء على مجموعة، كليا أو جزئيا، بناء على هوية هذه المجموعة القومية أو الإثنية أو العنصرية أو الدينية”.ومنذ قيام الكيان الإسرائيلي في 15 مايو/أيار 1948 ارتكب عددا من الجرائم والمجازر في حق الشعب الفلسطيني، كثير منها ينطبق عليها تعريف الإبادة الجماعية.

بل وحتى قبل هذا التاريخ عملت العصابات الصهيونية على إبادة وتقتيل وتهجير قرى وبلدات إسرائيلية كاملة، وأحلت محلها تجمعات لمستوطنين يهود خططت لتهجيرهم من عدة أنحاء من العالم. في كتابه “الجريمة المقدسة”، ذكر الدكتور “عصام سخنيني”، أستاذ التاريخ السابق في جامعة “البترا” الأردنية، أن ((خطاب الإبادة الصهيوني استخدم التوراة وأسفارها لشرعنة جرائمه وممارسته في فلسطين.

ورغم التعارض الصارخ بين الصهيونية بوصفها حركة علمانية والتوراة بوصفها نصا دينيا، فقد استغلت الأولى الشريعة اليهودية حتى تتحقَّق لها أطماعها الاستعمارية في فلسطين.

بالنظر إلى النص التوراتي، بوصفه مرجعا تاريخيا للحركة الصهيونية، سنجد أن سفر التثنية يشرح بوضوح الإستراتيجية الحربية الواجب اتباعها عند دخول البلدان))، حيث يقول: “حين تقترب من مدينة لكي تحاربها استدعها للصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفُتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويُستعبد لك، وإن لم تسالمك، بل عملت معك حربا، فحاصرها.

وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف. وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة، كل غنيمتها، فتغنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب”.وانطلاقا من هذا التأصيل الكتابي، يرى الدكتور “رشاد الشامي”، الباحث المخضرم في الشؤون العبرية، أن هذه القوانين الكتابية “هي التي يتسلمها القادة الإسرائيليون كمصدر وحي، وكشريعة مقدسة لاستئناف البعث الإسرائيلي في فلسطين، على أساس أن كل جريمة تصبح شرعية وقانونية من أجل تحقيق وعد الرب”.

وبمزيد من التأمل في هذا التأصيل الكتابي، سنجد في سفر يشوع بأن “يشوع” عند اقتحامه أرض كنعان -فلسطين التاريخية- مع جيشه من بني ((إسرائيل))، لم يُبقوا عِرقا ينبض بالحياة في كل المدن التي اقتحموها.

فبعد أن أخذوا أريحا “حرَّموا كل ما في المدينة من رجل وامرأة، من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير، بحد السيف.. وأحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها”.

والتحريم هنا معناه الإبادة، وكذلك فعلوا بـ “عاي” التي يحكي النص أن “يشوع” أحرقها “وجعلها تلا أبديا خرابا”بعيدا عن التلفيق المذكور بالنص الكتابي وادعائه على نبي الله “يشوع بن نون” هذه المجازر، فإن بموجب هذا السِّفر وغيره، يرى “سخنيني” أن شخصية “يشوع” التوراتية، بما نُسِبَ إليها من جرائم إبادة واستئصال للآخر، تبدو الشخصية التوراتية الأبرز لقادة المشروع الصهيوني ومحل إعجابهم الأول، حتى إن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول “ديفيد بن جوريون” صرَّح يوما أنه “لا بد من وجود استمرارية من يشوع بن نون إلى جيش الدفاع الإسرائيلي”.

وفي عددها الصادر لشهرَيْ مايو/أيار ويونيو/حزيران 2009، نشرت مجلة “مومِنت” (Moment) اليهودية الأميركية حوارا مع الحاخام الصهيوني “مانيس فريدمان” حول الطريقة المثلى لتعامل اليهود بفلسطين المحتلة مع جيرانهم من العرب، وقد أتت إجابة “فريدمان” صريحة:

“إنني لا أومن بالأخلاقيات الغربية، بمعنى أن عليك ألا تقتل المدنيين أو الأطفال، وألا تُدمِّر الأماكن المقدسة، وألا تقاتل في المناسبات الدينية، وألا تقصف المقابر، وألا تُطلق النار قبل أن يطلقها عليك الآخرون..

إن الطريقة الوحيدة لخوض حرب أخلاقية هي الطريقة اليهودية: دمِّر أماكنهم المقدسة، واقتل رجالهم ونساءهم وأطفالهم ومواشيهم”.

وقد علَّل “فريدمان” ذلك بأنه الرادع الوحيد والحقيقي للتخلُّص من ثبات الفلسطينيين ومقاومتهم المستمرة، وأن تلك هي قيم التوارة التي ستجعل الإسرائيليين “النور الذي يشع للأمم التي تعاني الهزيمة بسبب هذه الأخلاقيات (الغربية) المُدمِّرة التي اخترعها الإنسان”.

ومن أبرز الأمثلة على جرائم الإبادة التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية ما وقع في حرب 1948 وحرب 1967، وكذا مذابح صبرا وشاتيلا ودير ياسين والطنطورة ومذبحة خان يونس وكفر قاسم ومجزرة الحرم الإبراهيمي ومذبحة مخيم جنين.

 

وبالنظر إلى ما أحدثته النكبة -المؤسسة على عقيدة يهودية خالصة- سنجد أنها عمدت إلى صنفين من التدمير الشامل اللذين أنتجا فعل الإبادة: الأول تدمير المكان، ونلاحظه بوضوح في دراسة الباحث “وليد الخالدي” عن القرى التي دُمِّرت في النكبة؛ حيث دُمِّرَت 418 قرية تدميرا مريعا، وهو رقم ضخم يُمثِّل نصف عدد القرى الفلسطينية تقريبا.

ووجد فريق البحث نفسه أن 292 قرية منها دُمِّرت تدميرا شاملا جعلها والتراب سواء، بينما واجهت 90 قرية أخرى تدميرا واسع النطاق لم يُبقِ إلا على ثلة من منازلها، في حين نجت ثماني قرى بأغلب بيوتها من الدمار، واستُوطِنَت سبع قرى أخريات من قِبَل الصهاينة.

كما أمعنت ((إسرائيل)) في الإبادة الجماعية للفلسطينيين في سلسلة من الاعتداءات التي ارتكبتها في قطاع غزة في سنوات 2008 و2009 و2012 و2014 و2021.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2023 ((طوفان الاقصى))شن الجيش الإسرائيلي هجوما غير مسبوق على القطاع، استمر أكثر من 70 يوما، استشهد فيه نحو 20 ألفا وأصيب عشرات الآلاف، وارتكبت قوات الاحتلال عشرات المجازر في الأحياء السكنية وفي المدارس والمستشفيات.