الجمعة - 19 يونيو 2026

💎 جواهر عَلَويَّةٌ: لَمْ يَلْقَ أَحَدٌ مِنْ سَرّاءِ الدُّنْيا بطْنا إِلاَّ مَنَحَتْهُ مِنْ ضَرّائِها ظَهْراً

منذ سنتين
الجمعة - 19 يونيو 2026

السيد بلال وهبي ـ لبنان ||

📢 رُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: “لَمْ يَلْقَ أَحَدٌ مِنْ سَرّاءِ الدُّنْيا بطْنا إِلاَّ مَنَحَتْهُ مِنْ ضَرّائِها ظَهْراً”

تكشف هذه الجوهرة الكريمة عن فَهم عميق لطبيعة الحياة الدنيا، التي لا دوام لشيء فيها لأنها نفسها ليست بدائمة، إنها تتحوَّل بأهلها من حال إلى حال، فكل شيء مشهود لنا منها نراه في تحوِّل دائم، فهذه الأرض التي نعيش على ظهرها تَتَداول أيامها على الناس، فمن ليل على بعضهم، ومن نهار على بعضهم الآخر، تدور عليهم كلُّهم، ينام بعضهم ليرتاح من عناء يوم قضاه بالسَّعي والطلب، وينهض بعضهم الآخر إلى سعيه وطلبه، وفصولها كذلك،

تتعاقب كل ثلاثة أشهر، وتتوزَّع على أهلها بانتظام عجيب، وعدل أعجب، فإذا كان صيف في نصفها الشمالي يكون شتاء في نصفها الجنوبي، وإذا كان خريف في نصفها الشمالي يكون ربيع في نصفها الجنوبي، وهكذا دواليك، تعطي هؤلاء وهؤلاء، وحين تعطي هذا تمنع عن ذاك، وحين تعطي ذاك تمنع عن هذا.

هذا النظام الدقيق الذي أوجدته ورعته القدرة والحكمة الإلهيتين، لا يقتصر على ما نشهده من ظواهر التكوين، بل يسري إلى ما يحدث لسائر المخلوقات، ولعل أبرز مثال على ذلك ما يجري على الإنسان، فإنك لا تراه إلا متقلِّبة أحواله، متغيِّرة أوضاعه، تراه سعيداً تارة، ثم تراه حزيناً أخرى، تراه مُعافىً تارة ثم تراه مريضاً تارة أخرى،

تراه قوياً مُقتَدِراً تارة ثم تراه ضعيفاً خائر القوة تارة أخرى، تراه مستغنياً تارة، ثم تراه محتاجاً إلى سواه تارة أخرى، تراه متقدماً الصفوف تارة ثم تراه متأخِّراً تارة أخرى، والسِّرُّ في ذلك أن الدنيا بطبيعتها متقلِّبة وليست ثابتة على حال، فلا يمكن أن يعيش الإنسان في نعيم دائم دون أن يمر بأوقات من المحن والشدائد، ولا في شقاء دائم دون أن يشعر ببعض لحظات الفرح واليسر.

لقد تحدث الإمام أمير المؤمنين(ع) واصفاً تقلُّبات الدنيا فقال فيما رُوِيَ عنه: “دَارٌ بِالْبَلاَءِ مَحْفُوفَةٌ، وَبِالْغَدْرِ مَعْرُوفَةٌ، لاَ تَدُومُ أَحْوَالُهَا، وَلاَ يَسْلَمُ نُزَّالُهَا، أَحْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَتَارَاتٌ مُتَصَرِّفَةٌ، الْعَيْشُ فِيهَا مَذْمُومٌ، وَالْأَمَانُ مِنْهَا مَعْدُومٌ، وَإِنَّمَا أَهْلُهَا فِيهَا أَغْرَاضٌ مُسْتهْدَفَةٌ، تَرْمِيهِمْ بِسِهَامِهَا، وَتُفْنِيهِمْ بِحِمَامِهَا”.

إن هذه التقلُّبات تنطلق من حكمة الله ورحمته بالعباد، والله تعالى عليم بالإنسان، محيط بحاجاته، خبير بما يصلُح عليه أمره، ولذلك يضع له النظام الأسلم والأتم، ولا يتركه هَمَلاً ولا سُدىً.

إن تقلُّب أحوال الإنسان يؤدي به إلى:

أولاً:

إدراك حجم قوته وغِناه، وأنه مهما بلغ من القوة والقدرة فإنه مَقهور لنظام الحياة ولا يمكنه تغييره، ومن يكن مقهوراً لنظام الحياة فهو مقهور لمن أبدع هذا النظام وهو الله تعالى القاهر فوق خلقه وعباده.

ثانياً:

يعزَّز إيمانه بالله تعالى، ويدعوه إلى تعميق علاقته به، واللجوء إليه حال الضعف والبَلوى، والشكر له حال العافية والرخاء والرَّغد، لأنه مالك الملك والمَلكوت، وبيده أسباب السماوات والأرض، وهو الذي ينفع ويضُرُّ، ويُحيي ويُميت.

ثالثاً:

يصونه ذلك من التكبُّر والطُّغيان والظلم والتَّعدّي، لأنه يعلم أن لا شيء يدوم له، لا قوَّته ولا إمكانياته، وأنه إذا كان اليوم قوياً فسيأتي يوم يكون فيه ضعيفاً، وإذا كان اليوم معافىً فسيأتيه المرض يوماً ما.

رابعاً:

إن على الإنسان أن يفهم حقيقة الحياة وأنها تتقلَّب بأهلها من حال إلى حال كي لا تفاجئه التقلُّبات والمتغيرات، وهذا بدوره يجعله يَقِظاً دائماً، يدرس خطواته وقراراته بدقة، ويقيم علاقاته مع الناس على قاعدة أن من يحتاجون إليه اليوم قد بل سيحتاج إليهم غداً.

فضلاً عما سبق فإن كلام الإمام أمير المؤمنين (ع) يشير إلى الإمام أمير المؤمنين كذلك وهي حقيقة أن الدُّنيا لا تعطي أحداً كل شيء، لا تعطيه كل ما يرغب به ويتطلَّع إليه، بل تعطيه شيئاً وتمنع عنه في ذات الوقت شيئاً آخر، تعطيه مالاً فتمنع عنه السعادة،

وتعطيه عافية فتمنع عنه أمنية أخرى يتمناها، وللإمام (ع) قول في هذا المضمار حيث وصف الدنيا بأنها: “لا تَأْتي فِيها نِعْمَةٌ إِلّا بِفِراقِ أُخْرى” وهذا ما تشهد له تجاربنا جميعاً، فإننا نجد أننا لا نحصل من الدنيا على كل ما نرغب به، ولا تمنع عنا كل شيء.

فجر يوم الخميس الواقع في: 24/10/2024 الساعة (05:36)