💎 جواهر عَلَويَّةٌ: لَيْسَ بَلَدٌ أَحَقَّ بِكَ مِنْ بَلَدٍ، خَيْرُ البِلادِ ما حَمَلَكَ
السيد بلال وهبي ـ لبنان ||

📢 رُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: “لَيْسَ بَلَدٌ أَحَقَّ بِكَ مِنْ بَلَدٍ، خَيْرُ البِلادِ ما حَمَلَكَ”
هذه الجوهرة الكريمة تعبير عميق يتناول علاقة الإنسان بوطنه، أو بالأماكن التي يعيش فيها ويتنقل بينها، ولكي يتضح لها معناها نُفَصِّل الكلام في إطار النقاط التالية:
النقطة الأولى: جاء التأكيد في النصوص الدينية الشريفة على العلاقة التي تربط الإنسان بوطنه والبلد الذي يعيش في ربوعه، وكشفت عن أن تلك العلاقة ليست علاقة عابرة، إنما هي علاقة عاطفية تنشأ مع ولادة الإنسان في المكان وترعرعه فيه، أو إقامته فيه واعتياده عليه، وارتزاقه وتحقيق آماله وطموحاته فيه، حتى لتكاد تلك العلاقة العاطفية لا تضاهيها في القوة إلا علاقة المَرء بوالديه وأرحامه الأقربين، ولعلَّ هذا الأمر معروف بالضَّرورة والوُجدان، فعلاقة كل منا ببلده التي ينتمي إليها وآباؤه، أو البلاد التي ينتمي إليها بالإقامة والعمل والارتزاق تعتبر من أهم العلاقات البشرية، حتى نَظَم الشُّعراء ماضياً وحاضراً آلاف القصائد التي حَمَلت ما يعتلِج في القلب من حُبٍّ للأوطان والشَّوق إليها، بل ذهب بعضهم إلى التأكيد على أن وطن الإنسان عزيز ولو جار عليه، أما الإسلام فقد اعتبر حبط الأوطان جزءاً من إيمان المؤمن فقد رُوِيَ عن رسول الله (ص) أنه قال: “حُبُّ الوَطَنِ مِنَ الإِيْمانِ”.
وأكَّد الإمام أمير المؤمنين (ع) على حُبِّ الوطن، واعتبره سبباً ضرورياً لتقدمه وتطوِّره وريادته بين الأوطان، فقال: “عَمُرَتِ البُلدانُ بِحُبِّ الأوطانِ” فالمحِبُّ لوطنه يكون حريصا على تطويره وإعماره، بل يدفع عنه كل إساءة، ويذود عن حياضه بنفسه، ويُقتَلُ دون أن يُنْتَهَكَ شِبر من أرضه، وهذا أمر مشهود ماضياً وحاضراً، واليوم يقدِّم أبناؤنا نفوسهم قرابين للدفاع عن وطنهم وشعبهم.
النقطة الثانية: إن مكانة الوطن في النفوس وأهميته بالنسبة للإنسان تنشأ من المناشئ التالية:
الأول: أن ينشأ فيه ويترَعرَع في رُبوعه، ويألَف أمكنته، ويشرب من مائه، ويتغذَّى على ما تجود به أرضه.
الثاني: أن يكون مقدَّساً بالنسبة إليه سواء كانت قداسته من منظور بشري بحت، أو كانت قداسته من منظور رباني، كقداسة مَكَّة، والقُدس، والمسجد النبوي الشريف وكربلاء والنجف، وسواها من الأماكن التي أفاض الله تعالى القداسة عليها.
الثالث: أن يكون الوطن هو المكان الذي يحصل فيه المَرءُ على حاجاته المختلفة، ويحقِّق فيه أمانيه وطموحاته، وينال فيه حقوقه الإنسانية، ويمكنه التعبير فيه عن رأيه ومعتقده، فإذا لم يقدم له الوطن ما سبق ذكره فمن المؤكِّد أن يبحث عن مكان بديل يستوطن فيه ويتحقق له فيه ما يريد.
النقطة الثالثة: إن قول الإمام أمير المؤمنين (ع): “لَيْسَ بَلَدٌ أَحَقَّ بِكَ مِنْ بَلَدٍ” يفيد أن الانتماء المَكاني لا يجب أن يكون مقيَّداً، بل يمكن للشخص أن يجد نفسه في أي مكان من العالم ما دام ذلك المكان يوفِّر له الفرصة للعيش الكريم. وليس مُجبَراً على البقاء في بلد يضغط عليه ويظلمه ويمنعه من ممارسة حياته بشكل طبيعي، ولا يحصل فيه على أبسط حقوقه، وعلى هذا الأساس كانت دعوة القرآن الكريم إلى الهجرة من وطنٍ ظالم إلى وطن يسمح للمرء بممارسة وإظهار شعائره الدينية، قال تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا…”﴿97/ النساء﴾ فليس واجباً على المَرء أن يبقى في بلد يمنعه من أبسط حقوقه، ويضيِّق عليه سُبُل العيش الكريم، ويقف له عند كل زاوية يترصَّده ويتعقَّبه ويحصي عليه أنفاسه، بل إن هجرته من هذا المكان إلى مكان آخر يتَّسِع له، ويتسع لأمانيه، ويتسع لحريته هو الخيار الأنسب كما قال تعالى: “وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً…”﴿100/ النساء﴾.
النقطة الرابعة: إن خَيرية بلد وأفضليته على بلد آخر تتأتى من قدرته على حمل ساكنيه وتقديم الحياة الفُضْلَى وتوفير فرص العيش الكريم لهم، فأفضل البلدان ليس بالضرورة أن يكون الوطن الأم الذي ينتمي إليه المَرء أو وُلِد ونشأ فيه، بل هو البلد الذي يتيح له الحياة الكريمة، ويلبي احتياجاته المختلفة.
فجر يوم الجمعة الواقع في: 13/9/2024 الساعة (04:50)




