الأربعاء - 17 يونيو 2026
منذ سنتين
الأربعاء - 17 يونيو 2026

إنتصار الماهود ||

 

”لقد وهبنا الله كل شيء، فعلينا أن نقدمها له ولقد فاز بالسعادة، الذين قدموا كل مالديهم لبارئهم وهيهات أن نصل إليهم “.
إن الموت حق ولابد لنا من إجتياز هذا الطريق، ولكن ليس كل من يموت يخلده التأريخ، وتبكي عليه العيون حزنا، فالرجل الذي نتكلم عنه مختلف بكل المقاييس عن جميع القادة والزعماء، الذين عرفناهم هو قائد في أمة و أمة أصبحت من بعده قائد، أسس ومهد لدولة العدل الإلهي، وأكد أننا كشيعة يجب أن نكون مستقبلين مؤسسين متهيئين، لدولة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في فترة غيبته، عالم مقارع للظلم بلا هوادة و مفكر عظيم بأفكاره بنينا جيلا من القادة.

هو تأريخ عظيم ولا نستطيع أن نختصر التأريخ، في سطور لكننا نحاول أن نكتب القليل من السطور حول سيرته، هو روح الله بن مصطفى بن أحمد الموسوى الخميني، يعود نسبه الى الإمام موسى الكاظم عليه السلام، ولد في مدينة خمين عام 1902 م، عاش طفولة صعبة، وفقد والده وهو لازال طفلا رضيعا لم يتجاوز الأشهر.
عاصر سيطرة الروس على مدينته خلال الحرب العالمية الأولى، وعاش سيطرة الإقطاعيين على مقدرات مدينته الذين نهبوها، وظلم عائلة الشاه ونظامها الفاسد، وهذا ما ولد حافز كبير لديه لمقارعة الظلم.
إرتاد الحوزة العلمية في آراك عام 1919م، وتتلمذ على يد كبار علماءها أمثال، (الميرزا محمود إفتخار، الميرزا رضا النجفي الخميني، الشيخ علي محمد البرجوردي، الشيخ محمد الگلبايگاني، الشيخ عباس الآراكي).
أتمّ دروسه في الفقه والأصول، على يد زعيم الحوزة العلمية في قم، الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي، درس الرياضيات وعلم الهيئة والفلسفة والعلوم المعنوية والعرفانية، وعلم العروض والفلسفة الإسلامية والفلسفة الغربية.
تولى تدريس مواد فقه الأصول والفلسفة والعرفان والأخلاق، في عهد الشيخ حسن البرجوردي، كما درّس في النجف الأشرف في مسجد مرتضى الأنصاري ما يقارب ل 14 عاما.
أهم مؤلفاته والتي تبلغ أكثر من أربعين كتابا منها، (كشف الأسرار، الحكومة الإسلامية، ولاية الفقيه، صحيفة الإمام)، حمل لقب آية الله العظمى، لأنه بلغ درجة الإجتهاد لدى الشيعة الإمامية.
كان حجر الأساس للأفكار السياسية والإستراتيجية السياسية الشعبية ذات التوجه الديني والنهضة الإسلامية، في إيران وتصدى من خلال فكره، الى المفاسد الإجتماعية والإنحرافات الفكرية والأخلاقية، التي كانت لدى أسرة الشاه، من خلال كتابه كشف الأسرار عام 1943،ولم يكتفي بالنقد والكتابة، بل تحول في فترة الستينيات، الى مرحلة جديدة لتصحيح النظام الحاكم، من خلال المواجهات المباشرة ضد الشاه ومجالس الأقاليم التي كانت تحاول أن تطمس الهوية الإسلامية عن إيران، حتى سجن على يد الشاه عام 1963 لقرابة العام، تعرضت فيها إيران للإضطرابات والتظاهرات العارمة، مما أجبر الشاه على الإفراج عن روح الله ليعتقل مجددا عام 1964، ويتم تسفيره ونفيه الى تركيا ووضعه تحت الإقامة الجبرية، ومنعه من ممارسة أي نشاط سياسي وإجتماعي.
ثم نفي الى العراق ووضع تحت الإقامة الجبرية عام 1965 ومن النجف الاشرف نفي الى باريس عام 1978 تحت ضغط الشاه على النظام الحاكم في العراق وهو خطأ إرتكبه محمد رضا بهلوي، ومن باريس أسس روح الله لدولة عظيمة وأزاح نظام الشاه الفاسد والقمعي.
هو أول من دعم القضية الفلسطينية، ودعا الى إحياءها ومساندة شعب فلسطين، من خلال إعلان آخر جمعة من شهر رمضان، من كل عام هو يوم القدس العالمي،(روز جهاني قدس)، ولازالت دول المحور الشيعي تحيي هذا اليوم، وتحشد التظاهرات المناهضة للإحتلال الصهيوني.
يعتبر كتاب ولاية الفقيه أحد أهم كتبه، في مسيرته السياسية والذي ألحق بالدستور الإيراني، بعد طرحه للتصويت عام 1979.

إن فكر روح الله السياسي هو جزء من فكره المتكامل، والذي يرتكز على العقيدة الإسلامية ولديه الدين الاسلامي، يرتبط إرتباط وثيق بالسياسة وأثبت بالبراهين العقلية القاطعة، عن امكانية وجود حكومات تدافع عن الدين الإسلامي، وأسس لنظام سياسي في عصر الغيبة ممهداً للدولة الكريمة، دولة الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف وترتكز هذه الدولة على أسس مهمة هي:

1. العدالة، حيث تمثل العدالة الإجتماعية والقيام بالقسط، أفضل وسيلة لتحقيق السعادة والفلاح.
2. الحرية، وقد آمن بالدولة التي تبنى على الحرية، (كحرية التعبير و حرية الفكر وحرية الأحزاب و حرية الصحافة)، لكن شدد على أن تكون لمصلحة العباد، وليس ضدها تبنى المجتمع لا تهدمه، وتكون ضمن الأطر الإسلامية.
3. الإستقلال، أي أن الدولة لاتتبع أحد وهو ما فعله، حين حرر إيران من تبعية المعسكر الغربي ووصايته كما كانت في عهد الشاه.
4. الحكومة، تكون من الشعب وللشعب فما يريده ويرسم مصيره، هو الأفضل ولا إرادة للحاكم الفردي فوق الشعب.
5. القانون، فوق الجميع ويجب أن يطبق على أي شخص مهما كانت سلطته ونفوذه.
6. الثقافة، وتعتبر الثقافة في فكر روح الله أنها قاعدة المجتمع المتينة، فلا صلاح لمجتمع جاهل، وأن الدولة هي مصنع لصناعة الإنسان وهي الرسالة العظيمة التي أتى بها الأنبياء.
7.الوحدة، هي إنتصار للثورة فلا نجاح في ظل شعب مفكك متناحر غير موحد، والوحدة أهم سمة للمجتمع الإيراني بكل أديانه و طوائفه.
8. المصلحة، للحاكم هو النظر في مصلحة البلاد والعباد دون أن تتعارض مع الأحكام الإلهية والشريعة الإسلامية.
9. الدعوة الى الإسلام، ونشر مفاهيمه بين شعوب العالم وإحياء الهوية الإسلامية والإعتزاز بها والتحصن بها.
10. السياسة الخارجية والتي تعتمد على التعامل المتكافيء، بين الدول والتعاون في كافة المجالات بما يخدم الإنسان، والدفاع عن المظلومين في أي بقعة في العالم ومعارضة الإستكبار العالمي ورفض جميع أشكاله.

ودعنا آية الله في الثالث من حزيران عام 1989 عن عمر ناهز ال 86 عاما وشيعه الملايين من محبيه في العاصمة طهران التي دفن فيها.

لقد ترك لنا الإمام روح الله الخميني إرث عظيم وقاعدة فكرية وإنسانية وعقائدية ودينية لبناء جيل مؤمن قوي ممهد لعصر الظهور لازلنا نحصد ثماره حتى بعد وفاته بعقود، فسلام عليه يوم ولد ويوم يبعث حيا.