دور النخبة في بلورة الاسئلة الجادة للجمهور..!
د. نعمه العبادي ||
تزامناً مع التطورات التي شملت ميادين الحياة كافة، ومع اتساع مساحة الانظمة الديمقراطية لصالح انحسار الشمولية منها، زادت مكانة قادة الرأي بشكل كبير، فنظرياً، عقدت آلاف الدراسات والابحاث فضلا عن النظريات التي تبحث في دورهم ومكانتهم في المجتمع، وعملياً، لا يخفى على اي مراقب حجمهم ودورهم في الحياة العامة والسياسية على وجه الخصوص.
لم يكن هذا الدور وهذه المكانة مستحدثة لقادة الرأي، بل هي قديمة قدم الانسانية وانتظام المجتمعات، إذ كانوا محور التوجهات الرئيسة في تاريخ الحراك الانساني إلا ان طبيعة الادوات الجديدة ونموذج الحياة الحالي، زاد من فرص تأثيرهم، ووسع من مساحتهم، فضلا عن زيادة تمكينهم بالكثير من الادوات.
(في العراق)، كانت الاسئلة الجادة كثيرة وكبيرة، يقابلها ندرة او انعدام المساحة التي يمكن تداول تلك الاسئلة فيها، فالواقع كان محروساً بالحديد والنار من قبل السلطات والانظمة، ولا فضاء ألكتروني، إذ لجئت بعض المحاولات الى الاسماء الرمزية والتخفي والسر، وهذا الحال لم يكن مقتصرا على العراق، بل هو حال معظم دول المنطقة، ومساحات واسعة من العالم، وقد انعكس هذا الحال على نمط وسائل الاعلام، بل حتى على المؤسسات التعليمية ومحتوى التعليم.
خلافاً، لحالنا القديمة، فقد انقلبت الامور، ففي الوقت الذي اصبحت مساحة الرأي والاسئلة بأشكالها المختلفة، مفتوحة ومتاحة (واقعيا وإلكترونيا)، فلا رقيب ولا حسيب إلا في صور نادرة، في مقابل انحسار ومحدودية الاسئلة الجادة، فهذه المجالس العامة والخاصة، وهذه الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي، تضج وتعج بالاشاعات والنقاشات التافهة والزائفة، يحركها ما يسمى ب (الترند) الذي لا يعرفون ولا يدرون تحت اي واقع مضلل يتم خلقه وتصعيده، وهذا الحال، لا يستثنى منه الذين يسمون انفسهم بالنخبة، فمجموعاتهم وتجمعاتهم (الواقعية والالكترونية) تشهد على ذلك، ولا يشذ منها إلا الفرد النادر.
لا يتوقف خطر هذا الواقع عند سطحية وسذاجة وكذب ما يشغل نقاشات الجمهور والنخبة، بل، الاخطر في الامر تحوله الى معارك وصراعات على ارض الواقع، فلطالما سفكت دماء زكية، وراحت ارواحا محترمة وتعرضت الاملاك العامة والخاصة للضرر جراء صراعات هي انعكاس لمعارك لفظية في وسائل التواصل.
توجد مراحل منتظمة تتشكل عبرها الاسئلة الجادة، اولها: الوعي العميق للواقع، والعمق هنا يضمن فهم ما وراء الظواهر والوقائع والحوادث، ولا يمكن الفهم بالتخرص والتكهن، بل يتحقق عبر الجمع الدقيق للبيانات الصحيحة، ثم معاملتها بأحد موديلات ونماذج الفهم التي يتم من خلالها فهم المشكلة والظاهرة، وثانيها: فصل الاسباب عن مسبباتها وانعكاساتها، وتحديد الآثار الآنية والمستقبلية، وثالثها: تحديد ادوار الاطراف المسؤولة عنها، فمعظم القضايا للجمهور حصة كبيرة فيها، ورابعها: صياغة اسئلة معرفية واعية تحرك نقاشا منتجا ومؤثرا حولها، وخامسها: تسويق هذه الاسئلة عبر النوافذ المناسبة، والاستفادة من موقع قادة الرأي في تحريكها بين الاوساط العامة.
لا يتوقف دور قادة الرأي عند هذا الحد، بل ينبغي ان تكون مراقبة الفضاء العام من خلال التواجد الايجابي فيه، واعادة مسار النقاش الى موقعه الصحيح عندما يخرجه شطط بعض الجمهور والرغبة في شخصنة القضايا الى مسارات ضالة ومساحات خاطئة، وينبغي تشجيع الجمهور على النقاش الايجابي والاهتمام برأيه، ورصده، وعكسه في مسار آخر تجاه السلطة وصناع القرار من خلال نفوذ قادة الرأي، إذ تتشكل في هذه العملية دورة نموذجية لادارة السلطة، تعكس احتياجات الجمهور الحقيقية.
اعتقد جازما، ان المؤشر الاكثر دقة لصلاح الواقع وتطوره، يتمثل في تحول نقاش واقعنا وفضاءاتنا الالكترونية من حديث التسفيه والمناكفات والشخصنة والاشاعات والانخراط خلف الموضوع التافهة، الى احاديث جادة، تحركها اسئلة معرفية حقيقية، ويحرسها قادة رأي مخلصين.




