هل تتذكرون “هاديا سعيد”؟!
طالب الأحمد ||
قد يبدو تساؤلي في غير محله، فالكثيرون يعرفون الأديبة اللبنانية القديرة “هاديا سعيد” التي برعت في الكتابة الصحافية والروائية ونالت جوائز مرموقة في أكثر من بلد عن نتاجاتها الإعلامية وكتاباتها القصصية والروائية التي ترجمت إلى عدة لغات منها الإنجليزية والفرنسية والألمانية.
ولكن الكثير من العراقيين المعاصرين يجهلون – على الأرجح- أن الأديبة “هاديا سعيد” هي ذاتها التي كانت تكتب تحقيقاتها للصحافة والإذاعة العراقية عن معاناة الناس في سبعينيات القرن الماضي بإسم مستعار هو “هاديا حيدر”.
في العام 1972 تركت “هاديا” عملها في صحيفة “النهار” اللبنانية لتهرب من طيش الحرب الأهلية والعبث الدموي الذي اجتاح “ست الدنيا” بيروت، واتجهت إلى بغداد على أمل أن تجد ملاذاً في العاصمة العراقية التي تحمل تاريخياً لقب “دار السلام”.
حين بدأت العمل في مجلة “ألف باء” في العام ذاته، اندمجت “هاديا” سريعاً في الوسط الإجتماعي العراقي ولامست قاع المجتمع في كتاباتها التي تحمل توقيع “هاديا حيدر”، ولم يكن القرّاء يعلمون- حينها- أن صاحبة القلم الجريء امرأة لبنانية، فقد كانت من فرط عشقها للعراق ترى نفسها عراقية الهوى والإنتماء إلى حد التماهي مع شجون العراقيين وآلامهم وآمالهم.
ولأنها صاحبة ضمير حيّ وكاتبة مُقاوِمة من طراز فريد، لم تؤثر فيها كل إغراءات السلطة البعثية آنذاك لأصحاب الأقلام الإبداعية، ورفضت الإنخراط في فيلق الإعلاميين والكتّاب العرب الذين أغوتهم الأموال فسخرّوا أقلامهم لتزييف الوعي وتلميع الوجه البشع لسلطة القمع الدموية آنذاك. وبدلاً عن ذلك آثرت الوقوف بشجاعة نادرة إلى جانب الضحايا في مواجهة جلاد بلغ في قسوته وشروره مديات لا يستوعبها العقل والخيال البشري.
وثقّت “هاديا” تجربتها المأساوية مع وباء الخوف السلطوي الذي اجتاج المجتمع العراقي أثناء عملها الصحافي في “جمهورية الخوف” لسبع سنوات عجاف (1972-1978) في كتاب لا نظير له في المكتبة العربية حمل عنوان “سنوات مع الخوف العراقي” – صدر عن دار الساقي عام 2003- وهو سيرة روائية تعكس في تفاصيلها معاناة مجتمع مقموع عانى الأمرّين من سلطة متجبرة متألهة ومن قهر وذل الصمت والخوف.
وتكشف “هاديا” بلغة سردية مُشوِّقة أخّاذة كيف تسلل الخوف من بطش السلطة إلى كل تفاصيل الحياة اليومية للعراقيين حتى أصبح كل مواطن عراقي بمثابة شرطي للسلطة على نفسه، وتلك حالة غير مسبوقة في تاريخ المجتمعات البشرية.
تقول “هاديا” في شهادة هي الأبلغ من بين كل ما كُتب عن العراق في حقبة الديكتاتورية المتوحشة : “عشت في اكثر من بلد عربي وعرفت ووعيت معنى الحدود والرقابة والتضييق ، لكن عهود العراق دموية وفجة ومريعة ، فليس هناك بلد عاش كل من فيه خراب النفس والذرية والارث كما عاشته بيوت بغداد ، وليس هناك بلد ابيحت فيه كميات من الدماء وعدد من الرقاب والاوصال المقطوعة كما حدث في العراق ، وليس هناك بلد عرف قهر الخوف وذل الصمت مثل العراق ، فلم يمنع شعب من السفر كما منع شعب العراق ، ولم يحصل فرد في الشعب على ابسط حق في اللقمة وكأنه هدية أو منحة ، كما حصل لشعب العراق، واخيرا وليس اخرا ، ليس هناك شعب طُوّق إيمانه وأُغتيلت هويته كما حدث لأهل النجف وللأكراد في العراق”.
ولذلك ترفض “هاديا” اعتبار معاناة العراقيين من القمع والطغيان شبيهة بمعاناة مجتمعات عربية وغير عربية عانت بدورها من بطش وظلم أنظمة إستبدادية، فمعاناة العراقيين من القمع السلطوي لا نظير لها واقعاً وليس مجازاً.
وكل من يطالع الكتاب- الشهادة، سوف تصدمه التفاصيل المروعة عن أساليب قتل الضمير الإنساني و” تبعيث المجتمع العراقي” بالإكراه والإذلال ، وتحويل الحياة فيه – حتى في مفرداتها البسيطة- إلى جحيمٍ ورعب لايُطاق.
وأهمية شهادة “هاديا سعيد” أو “هاديا حيدر” التي ضمنّتها في الكتاب تكمن في أنها شخّصت بعمق سبب توالي المصائب والكوارث والأحزان على العراقيين بعد إنقلاب حزب البعث العراقي عام 1968، وفضحت ازدواجية ونفاق النخب السياسية والثقافية التي كانت ترفع شعارات ثورية، ولكنها على الأرض تعيش ذلاً يندى له الجبين في خضوعها للسلطة والتزلّف لها، حتى وصل الأمر إلى مستوى التطوع لخدمة أجهزة أمن ومخابرات السلطة القمعية من خلال كتابة التقارير الأمنية في سياق شبكة أخطبوطية من التجسس على العراقيين ومراقبة كل صغيرة وكبيرة حتى النكتة التي يتداولونها بعفوية.
لاتكتفي “هاديا” في سيرتها الروائية برصد وسرد الوقائع الأليمة الغريبة، بل هي تغور في أعماق الذات العراقية الجريحة وتكشف للعالم أجمع عن عشق هذه الذات للحياة وقدرتها الخلّاقة على الإبداع حتى عندما تكون في زنزانة مسكونة بالخوف وتحيط نيران الموت بجدرانها الأربعة.
وأهم ما في كتاب “سنوات مع الخوف العراقي”، وكل فصوله مهمة، خاتمته التي هي بمثابة خارطة طريق الأمل والمستقبل للعراقيين، حيث تُجسّد “هاديا سعيد” وتختزل وفاءها النادر وحبها العميق للعراق بالقول:
(أدرك الآن أن العراقيين يستطيعون تحقيق الكثير، وأوله استقلالهم.
سأكون مع الآملين أن يلعب العراقيون لعبة سياسة العصر، وهم يستحقون أن يجرّبوا من دون كثير من التوصيات الخانقة أو الإدانة.
أقول أيضاً:إذا كنا لم نتعلم الدرس لنصبح في مواقع القوى وفي الطليعة، فقد تعلمه من تُطلق عليهم بعض النخب العربية الثقافية العربية، صفات “الإمبريالية” و “الإستعمار” وغيرها…
لهذا هم الآن فيما هم وفيما وصلوا إليه ، ولهذا نحن الآن فيما نحن عليه !.
إن من يريد أن يتعلم الدرس، ويستخلص من تجارب الماضي حكمة معقولة، لن يكون أمامه غير العمل، والأمل).
لقد قالت “هاديا” الحقيقة كلها، وليس بوسعي تلخيص والأحداث والأفكار التي يحملها كتابها الباهر “سنوات مع الخوف العراقي”، وبلا مبالغة أرى أن مطالعته ترتقي للضرورة سيما بالنسبة للعراقيين الذين لم يعاصروا مرحلة التبعيث القسري وسياسة تدمير الضمير في سبعينيات القرن الماضي، فالشعوب الحية هي التي تستذكر تاريخها دوماً وتستفيد من دروسه وتجاربه حتى المريرة منها، أما الشعوب التي تُصاب بالزهايمر فلن يكون بوسعها أن تجد بوصله تهديها إلى مسارات التقدم والرقي حتى لو كانت لديها ثروات الدنيا كلها.
يحق لنا أن نفتخر ونحتفي بأديبتنا الشامخة كمنائر العراق “هاديا سعيد”، رغم بُعدها- جغرافياً- عن بلاد الرافدين الآن، وأن نشكرها من الأعماق على شجاعتها ومواقفها النبيلة في الدفاع عن مظلومية شعب لم يكن يجد بواكي له من الأشقاء وسِواهم.
وبعد..أليس من حقي أن أسال أهل الحكم والسياسة في عراق اليوم ، هل تتذكرون “هاديا سعيد”؟!.
آمل أن يتم تكريم “هاديا سعيد” و”صافي ناز كاظم”، وكل أديب وكاتب عربي وقف مع شعبنا في محنته، من قبل السيد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني وهو أهلٌ للوفاء والكرم.
***




