الأربعاء - 17 يونيو 2026

تعلموا العربية وعلموها الناس..!

منذ سنتين
الأربعاء - 17 يونيو 2026

محمد الجاسم ||

 

(109)
السِّنونَ..والسَّنواتُ !
لم أجدْ في ما اطَّلعتُ عليه من كتبِ العربيةِ ودواوينِ الشعر العربي القديم مفردةَ (سنوات) كجمعِ سنة، لنعودَ إليها في ماهو الأفصح بين ( سنوات ) كجمعِ مؤنَّثٍ سالمٍ ،و( سنونَ ) كملحقٍ بجمعِ المذكرِ السالم. وقد ورد ذكرُها في كتاباتٍ عامةٍ ومخاطباتٍ ودراساتٍ وأبحاثٍ كثيرةٍ، لكنْ دونَ أيِّ جذرٍ أو أصلٍ لغويّ. ولذلك أميلُ الى أنَّ الأفصحَ المشهور( سِنونَ ) في حالِ الرفع، و(سِنينَ) في حالَيْ النصبِ والجرّ. وفي ذلك تفاصيلُ لسنا بصددِها هنا . ومن النُّحاةِ مَنْ أعربَها بالحركاتِ ولزومِها الياء، فتكون بهيئة (سِنينَ) في محلِّها من الإعراب أيٍّ كان، وتَقْبَلُ التنوينَ أيضًا، مثل (حين). وفي ذلك يُنْسَبُ لرسول الله (ص) ـ في صحيح البخاري ـ أنه دعا:
” اللَّهُمَّ أنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ علَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عليهم سِنِينًا كَسِنِي يُوسُفَ “، وفي رواية ( سِنينَ).
قال ابنُ مالكٍ في ألفِيَّتِهِ:
” وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَبِيَا اجْرُرْ وانْصِبِ … سَالِمَ جَمْعِ عَامِرٍ وَمُذْنِبِ
أُولُو وَعَالَمُونَ عِلِّيُّونَا … وَأَرَضُونَ شَذَّ وَالسِّنُونَا “.
وبعكس ندرة (سنوات) وغيابها في الشواهد الرصينة ككتاب الله تعالى والحديث النبوي الشريف ونهج البلاغة لأمير الفصحاء والبلغاء والشعر العربي القديم، نجدُ أنَّ (سِنونَ) قد ملأت الآفاقَ في المدَوَّنات المأثورة. وسأكون ممتَنًّا كثيرًا إن أرشدني أحدُ القرّاءِ النجباءِ الى سوى ذلك.
ومن ذلك قولُه تعالى:
” قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ” 112 ـ المؤمنون .
وقال تعالى:
” قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ ”
47 ـ يوسف .
وقال تعالى:
” فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ” 11 ـ الكهف .
وقال تعالى:
” أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ” 205 ـ الشعراء .
أما في الأدبِ العربي القديم، فلنا شاهدٌ شعريٌّ أيضًا،
قال الشاعر جرير
” ألمْ يَكُ في ثَلاثِ سِنينَ هَجْرٌ … فقد طالَ التَّجَنُّبُ والصُّدُودُ “.

وَرُبَّ قَوْل.. أَنْفَذُ مِنْ صَوْل.

 

(110)
مَنْ هُوَ الشَّقِيُّ..وَمَا هِيَ الشَّقَاوَةُ..والشِّقْوَة ؟
من الأغلاط الشائعة التعامل مع (الشَّقَاوَة) بكونِها ضربٌ من الشجاعةِ والبسالةِ والتحدّي، كما يُظْهِرُها التراث الشعبي (الفولوكلور)، لأن المعنى معكوسٌ، فالشَّقا (ومهموزُهُ: الشَّقاء) هوالعُسْرُ والشِدَّةُ المؤْذِيان لصاحبهما، ، شَقِيَ ـ يشقى، شَقَاوَةً وشِقاوَةً وشَقًا وشَقاءً ،ومصدر المَرَّة (شَقْوَةً)، ومصدر الهيئة (شِقْوَةً) ، قال تعالى:
” قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ ” 106 ـ المؤمنون .
وشَقاهُ اللّهُ وأشْقاهُ، أي أوقَعَهُ في الشَّقاءِ، والمَشَقَّةِ،
قال الشاعر ابن حيوس :
” فإنَّ دونَ المَعالي شِقَّةً بَعُدَتْ … بِهَا الْمَشَقَّةُ دُونَ الْفَوْزِ وَالشَّجَبُ “.
وقال الشاعر الفرزدق:
” وَنُبّئْتُ أشْقَى جَعْفَرٍ هَاجَ شِقَوَةً … عَلَيْها كَمَا أشْقَى ثَمُودَ مُبِيرُها ” .
وقال الشاعر المتنبّي:
” ذو العَقلِ يَشقَى في النّعيمِ بعَقْلِهِ … وَأخو الجَهالَةِ في الشّقاوَةِ يَنعَمُ ” .
وقال الشاعر أبو الفضل بن الأحنف:
” لوْلا شَقاوَةُ جَدّي ما عرَفتُكُمُ … إنّ الشّقيَّ الذي يَشْقَى بِمَنْ عَرَفا ” .
وقال الشاعر السريّ الرَّفَّاء:
” لقد شَقِيَتْ بمِديَتِكَ الأضاحي … كما شَقِيَتْ بغارَتِكَ القَوافي ” .

وَرُبَّ قَوْل.. أَنْفَذُ مِنْ صَوْل

 

(111)
سطا..يسطو !
قرأت خبرًا طريفًا قادني الى كتابة هذه الحلقة من المقاصد الضائعة، حيث فوجيء صاحب محل تجاري بوجود رسالة اعتذار تركها سارق، (سطا) ليلًا على المحل وسرق حاسوبًا وأموالًا من داخل المتجر الذي كان يشتغل فيه سابقًا..العملية تمت بهدوء وسرية وتحت جنح الظلام، وهذا ليس بسطوٍ قطعًا.
وتشير بعض الوثائق الجنائية الى عملية (سطو) يقوم بها سارقٌ، خلسةً ومتخفِّيًا عن الأنظار،وهذا في الواقع ليس سطوًا، هو الآخر، إلا ما ذُكِرَ في وثائقَ جنائيَّةٍ غيرِها بعبارة (السطو المسلَّح).
لأنَّ الفعلَ(سَطَا عليه)، و(سَطَا به) سَطْواً وسَطْوَةً، تعني، من بين ماتعني من معانٍ ،نحن بصدد تصويبها، صالَ، أو قَهَرَ مستخدمًا البَطْشَ، فعمليةُ السطوِ مرتبطةٌ بالعنفِ والبطشِ والشَّرِّيَّةِ، وليس بالضرورة أن يكون مرادُها السرقة.
قال تعالى:
” وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ ۖ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ۗ قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ ۗ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ” ٧٢ ـ الحج .
وقال الشاعر الأبيوردي :
” وَأَسْطو سَطْوَةَ الأَسَدِ المُحامِي … وَتَنْفُرُ نَفْرَةَ الرَّشَأِ الأَغَنِّ “.
وقال الشاعرعبد الغفار الأخرس :
” يَسْطو على الأَرْزَاءِ سَطْوَةَ ضَيْغَمٍ … إحدى بَراثِنِهِ السِّنانُ الأزْرَقُ “.

وَرُبَّ قَوْل.. أَنْفَذُ مِنْ صَوْل.

 

(112)
الطُّرُقُ..و..الطَّرَائِقُ
(المُقاضَاةُ بالطُّرُقِ القانونيَّةِ)..(تسويةُ النزاعاتِ بالطُّرُقِ البديلة)..وغيرها من العبارات المستخدمة في الإعلام العام والإعلام القضائي على السواء، عبارةٌ مغلوطةٌ ومُجانِبَةٌ للفصاحةِ اللغوية، لأنَّ(الطُّرُقَ) جمعُ (طَرٍيقٍ)، مُؤَنَّثة، وهي المسارُ الواصِلُ بينَ نقطتَيْنِ من مسافة طولية، وهي التي تُسْلَكُ في السفر أو في السعي للوصول من مكانٍ الى آخر.
قال تعالى:
” إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ” 169 ـ النساء .
وقال تعالى:
” قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ” 30 ـ الأحقاف .
وفي (الطريق) قال الشاعر البحتري:
” وَرَفِيقٍ رَافَقْتُهُ في طَرِيقٍ … صَارَ بَعْدَ الطَّريقِ خَيْرَ رَفِيقِ “.
وقال الشاعر ابن حيوس:
” أتيتهُ منْ طريقٍ قطُّ ما طُرِقَتْ … أَكانَ عَنْهَا جَمِيعُ النَّاسِ عُميَانا “.
وقال الشاعر جرير:
” إنَّ الطريقَ إذا تبينَ رُشْدُهُ … سَلَكَتْ طُهَيّةُ في الطّريقِ الأَخْيَبِ “.
وقال الشاعر عمر بن أبي ربيعة:
” جَعَلْتُ طَرِيقي عَلَى بَابِكُمْ … وما كانَ بابُكُمُ لِيْ طَرِيقَا “.
ولذلك فإنَّ هذا الإسهابَ في تناولِ الشواهدِ على معنى (الطريق)، تقودُنا الى تصويبِ عنوانِ الحلقةِ من (المُقاضَاةِ بالطُّرُقِ القانونيَّةِ) و ( تسويةِ النزاعاتِ بالطُّرُقِ البديلة)..
إلى:
(المُقاضَاةِ بالطَّرائِقِ القانونيَّةِ) و (تسويةِ النزاعاتِ بالطَّرائِقِ البديلة).. والمفرد من (الطرائق) (الطريقة) وهي السيرة أو الهيئة أو الحال أو الآلية أو الكيفية أو المذهب لتنفيذِ أمْرٍ ما. ومنها ابتُكِرَ ،في زمانٍ مضى ليس ببعيد، مصطلحٌ أكاديميٌّ حديثٌ في الجامعات العراقية،اسمُهُ (طَرائِقُ التدريس).
ونوردُ جملةً من الشواهد اللغوية على الاستخدام الفصيح للطريقة والطرائق:
كقوله تعالى:
” وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا ” 16 ـ الجن .
وقال تعالى:
” وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ ” 17 ـ المؤمنون .
وقال تعالى:
” نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا ” 104 ـ طه .
وقال الشاعر البحتري:
” بِطَرَائِقٍ كَطَرَائِقٍ، وخَلائِقٍ … كَخَلائِقٍ، وَضَرَائِبٍ كَضَرَائِبِ “.

وَرُبَّ قَوْل.. أَنْفَذُ مِنْ صَوْل