الأربعاء - 17 يونيو 2026

الألحاد والتدين في الموروث العراقي – دراسة

منذ 4 سنوات
الأربعاء - 17 يونيو 2026


علي عنبر السعدي ||


” في داخلي تتنازع نفسان ، كلّ منهما تريد انتزاعي عن الأخرى، تنشب أحداهما مخالبها في العالم بشهوة جامحة قاسية، والأخرى ترتفع بقوة إلى ساحة الأسلاف العليين ” “كريستوفر مارلو” مسرحية “مأساة فاوست”
اللحد في هو تلك الحجيرة الجانبية ، التي تحفر في أسفل القبر ليحشر فيها جثمان الميت ثم تُغلق بالأحجار .
هذه الكلمة أطلقت على غير المؤمنين بالأديان ،أو الرافضين لماجاءت به الرسالات السماوية أو ممن يحملون أو ينادون بنظريات بديلة ، ولما كان استخدامها قد شاع في الإسلام خصوصاً ،لذا يبدو إن المقصود منها ،وصف أولئك (الملحدين) بأنهم دفنوا الإيمان في أعماق قلوبهم وأغلقوا عليه ، وكما يكون القبر معتما وموحشاً ،كذلك نفوس هؤلاء بعد أن أفُرغت من أنوار التدين والإيمان بالله .
هكذا أريد لهذه الكلمة أن تصل الى أبعد ايحاءاتها وأبلغ دلالاتها ،لتحدث نفور الناس ممن تطلق عليهم وتذكيرهم بظلام اللحد الذي يسكن نفسه كما الجثة
بين الايمان اليقيني بخالق أعظم ،والتساؤل المعرفي عن ماهية الخالق ،تأرجح الإنسان منذ نشوئه الحضاري الأول ، ومنذ القلق الأول عن جدوى حياته ومصيره الوجودي ما بعد الموت .
كان الإنسان العراقي ،أول من عبّر عن ذلك القلق ،بسلسلة من نصوص وأساطير وحكايات وسلوكيات ،استمرت تلقي بأثرها : رفضاً ممزوجاً بالأيمان ،أو ايماناً ينتابه التساؤل(*).
ظهرت في الحضارة الرافدينية ، الكثير من النصوص التي تجسد فكرة التعامل مع السماء ، تارة بكونها غير آبهة بمايقدم لها من أدعية ونذور ، وطوراً برجاء مساعدتها ورحمتها .
أول ظهور لما يمكن تسميته “فلسفة الإلحاد” جاء في ملحمة جلجامش ،انطلاقاً مما فعله البطل الملحمي مع إلهة الجمال إنانا/عشتار، فلم يحترم كونها ابنة آنو كبير الآلهة ،ولا بكونها رمزاً إلهياً ،بل بوصفها انثى لعوب وجّه اليها اقذع الكلمات .
ثم توالت تحدياته للآلهة حين قتل “الثور السماوي” دون تردد بعد أن أمسكه من قرنيه ، وهنا تلاحظ الرمزية في السخرية من السماء ذاتها .
أما ذروة “فلسفة الالحاد” فقد تجسد واضحاً في خطاب سيدوري الى جلجامش حين اتهمت الآلهة بالأنانية إذ اختصت نفسها بالخلود دون البشر، فيما كتبت عليهم الشقاء في الدنيا ثم الفناء .
وكانت قصة الخليقة “اينوما ايليش ” قد وضعت الأساسات الأولى لعبث الآلهة حينما خلقت البشر من طين كي يقوم بخدمتها .
في أسطورة أخرى عن ذلك المزارع الذي اغتصب عشتار حين وجدها نائمة على شاطئ الفرات ، فدعت عليه باللعنة ونسله .
لكن ذروة التحدي الأكبر ،تمثل في نارام سين ، الذي تمرد على جميع الآلهة وحطّم أصنامها ومعابدها وطرد كهنتها ، وكان قد سبقه في ذلك سرجون الأكدي ، بوضعه قانون العلمانية الأول للفصل بين السلطات ” لايتدخل الكهنة في شؤون الولاة ،ولا يتدخل الولاة في شؤون القضاة *”
أما اليأس من الإله ،فقد جاء في نشيد بابلي :
(رفعت دعائي الى إلهي
فأشاح بوجهه عني .
صلّيت الى آلهتي فلم تلتفت إلي
لقد صرت كمن لم يقدم لإلهه قرباناً
وصرت كمن لم يشكر آلهته عند كلّ طعام) – راجع :جفري بارندر – البابليون –ص 71 -.
ذلك ماظهر في الموروث العراقي الشعبي على شكل أمثلة “صويحب الله مطكَك” أي ان من يعتمد على الله سيكون كمن يتعرض للاعتداء دون رادع ، فيما يرى مثل ثانٍ العدالة ” مثل قسمة الله ،ناس بكرك وناس بقطّارة ” .
وهكذا يستمر تعامل الإنسان العراقي مع الإله في تراجيديا ساخرة أو غاضبة ، متحدية أو خائفة ،مطيعة أو رافضة ،حسبما تتطلبه الحياة بكل عنفوانها ومصاعبها .
(*): “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي “
.
وتعني بأن أولئك قد دفنوا الإيمان في أعماق نفوسهم
(*) ينسب قانون الفصل بين السلطات لشريعة اور نمو كذلك ، التي جاءت بعد سرجون بأكثر من قرنين (2350ق/ لسرجون – 2110ق/م اور نمو )
2 – التدين وجذوره في العراق
تعتبر الحضارة الرافدينية ،أول من عرف المعتقدات الدينية وشيدت لها المعابد ووضع الابتهالات والتضرع وتقديم النذور،ايمانا بأن هناك قوى سماوية جبّارة ،تتحكم بمصيرالفرد وتملي عليه أفعاله.
لقد جسد الرافديني معتقداته ،في مجموعة كبيرة من المظاهر والاحتفالات الدينية ،كذلك بمجموعات من النصوص الأسطورية التي تحمل كل منها معتقداً عن تدخل الآلهة بشؤون البشر ،ثواباً أو عقاباً ،شحاً أو عطاءً .
“اعبد إلهك كلّ يوم
وقدّم له القرابين والصلوات
قدّم قربانك طائعاً لإلهك
قدّم له الصلوات والضراعة والسجود كل يوم
وسوف تثاب على ماتفعل
عندئذ سيكون بينك وبين الله اتصال كامل”

Ali Alsadei, [٠٨/١٠/٢٠٢٢ ٠٩:٢٣ ص]
(المعتقدات الدينية لدى الشعوب ـ ص 29ـ نصائح الحكمة
(رفعت دعائي الى إلهي
فأشاح بوجهه عني .
صلّيت الى آلهتي فلم تلتفت إلي
لقد صرت كمن لم يقدم لإلهه قرباناً
وصرت كمن لم يشكر آلهته عند كلّ طعام)
الكثير من الأحداث والوقائع التاريخية ،نسج منها العراقيون حكايات وأساطير تحفظها الذاكرة وتتناقلها الأجيال ،ولم يتركوا حكمة أو موعظة ،الا وأوجدوا لها مقابل ،حتى على ألسنة الحيوانات ،وهذه الحكايات بمعظمها ،تجعل لحضور الآلهة الدور الأكبر ،فحكاية النسر والثعبان الذين عقدا صداقاً بعهدة الإله شمش “فتحَ النسر فمه وقال للحية:
تعالي نتصالح نحن الاثنين
ولنكن شريكين أنا وانتِ
قالت للنسر:
تعالَ إذن نعقد صلحاً أمام شمش
ولتكن هناك عقوبة شديدة لمن يخلُ بالعقد
وليكن لنا نحن الاثنين بمثابة محرم من قِبل الآلهة”
قالت زوجة إيتانا له:
«لقد أرتني الآلهة حلماً،
ومثل إيتانا زوجي رأيت حلماً،
مثلك أرتني الآلهة حلماً:
كان إيتانا ملكاً على كيش لعدد من السنين.
قدم الرافدينيون ثلاثة للأسئلة ،ومثلها للإجابة
– 1- رجاء ، واحتماء ، وبلاء – للسؤال
2- – هناء ، واهتداء ، وارتقاء – للإجابة
لقد رأى السماء حاضرة ليلاً بنجومها وقمرها اللامع ، ونهاراً بشمسها الساطعة ،فأطلق عليها (آن) الحاضر أو دائم الوجود ، ثم رأى الأمطار تهطل من علو والغيم تجري في العلى ،فأسماها (- إيل -إيلي ) العالي – المترفع – العظيم ،إلا لهُ ،فأقام أول معبد أوكله للكهنة ،ومازال يرجو ذلك العلي القديرأن يرحمه ويرزقه ويطيل في عمره .
لكن لابد للسماء من طريق يهتدى به ،فكان الأنبياء الذين ارسلوا الى الانسان ليعلموه الطاعة والعبادة ويهدوه الطريق ..
الا ان ذلك لم ينفع ،فكان لابد من اضافة قوة أخرى لفرض الطاعة ،فأوجد الحاكم وعلمّه كيف يبطش باسم الله.
وهكذا أفسد الانسان على نفسه ماكانت الزراعة قد بعثته من هناء واستقرار حين اكتشافها ، ومن ثم انشأ أولى القرى الزراعية التي انبثقت منها المدن ، ثم فقد قيمة ما كان قد وضعه من اختراع سيكون الأهم من نوعه على امتداد الحضارة (أي العجلة)التي ستحدث نقلة كبرى في حياة البشر وتجعله يهتدي الى وسيلة سفر ونقل جعلت من حياته سهلة ميسّرة ،لكن ذلك المخترع العظيم ، تحول الى سلاح قاتل تسبب باكتساح المدن وتدمير الشعوب حين استخدمه في العربات الحربية ، وصولا الى الدبابات والطائرات وغيرها.
وحين اخترع الكتابة ، تفوق على نفسه واعتلى ذاكرته ،فسجّل يومياته وأسفاره وشرائعه وقوانينه ومكتشفاته ،وتعلّم وعلّم ،لكنه كذلك دون حروبه وكوارثه وطغاته .
في كل ذلك ،قلدته وأخذت منه البشرية كلها وعلى امتداد الأزمنة ، لكن هناك أمما وشعوباً تصرفت بشكل مختلف مع هذه الهبات ، فقسم جعل من الله ذبّاحاً ،ومن الأنبياء قتلة ، فكان ذلك بلاء على غيرهم .
وقسم وضع الله حيث يعبد ،وأخرج الأنبياء بما ليس يقّلد ، فخففوا من واقع البلاء .
لكن جميع الشعوب جعلت من الزراعة هناءً ،ومن العجلة تطوراً ومن الحرف تواصلاً معرفياً وتدويناً علمياً .