الجمعة - 06 نوفمبر 2026
منذ ساعة واحدة
الجمعة - 06 نوفمبر 2026

     د. عبير حسن التميمي||

 

 

 

رثاءٌ لا يذكر اسماً، لأن الاسم أكبر من أن يُحمل في سطر

هناك رجالٌ لا نعرفهم إلا غائبين.
نعرفهم من أثرهم، لا من حضورهم. من الشوق الذي يتركونه، لا من الكلام الذي يقولونه. من الفراغ الذي يخلفه رحيلهم، لا من ضجيج حياتهم.

وهو كان واحداً من هؤلاء.

لم يكن شخصاً عادياً. ولو قلتُ إنه كان ملائكياً، فوالله لا أبالغ. كأن الله خلقه ليجسّد معنى أن يبذل الإنسان حياته كلها لله وفي سبيله، بلا كلل ولا ملل، بلا انتظار جزاء ولا شكور.

لم نعرفه إلا مجاهداً في دروب التضحية. لم يكن يرى عائلته كثيراً. كنا نعيش على الشوق، نترقب طلّته، ونشتاق لصوته. وإن أقبل يوماً، لم يُطِل المقام. كأن الطريق كان يناديه دائماً، وكأن قلبه معلّق حيث الواجب والرسالة.

كان يعمل بصمتٍ عجيب. لا يطلب مدحاً، ولا يلتفت إلى صيت. جنديٌ مجهول في الأرض، معروفٌ في السماء. متواضعاً، باسماً، مستبشراً. اختار طريق الجهاد والتضحية منذ صباه، وسار فيه راضياً وثابتاً.

وحين كان بعض رفاقه يرتقون شهداء، كان الألم يسكن قلبه، لكن عينيه ظلّتا تتطلعان إلى الغاية ذاتها. لم تكن أمنيته إلا الشهادة. وكان دعاؤه الدائم أن يرزقه الله إياها. ينتظرها في كل وقت، وفي أي لحظة قد لا يعود.

لكن وجوده ورحيله لم يكن عابراً في قلوبنا، ولن يكون أبداً. عزاؤنا أن ذلك بعين الله، وأنه سار حيث كان يتمنى، وإلى ما كان يدعو الله به ليلاً ونهاراً. وأنه ترك آثاراً عظيمة حيث اختاره الله.

وإن كنا نشتاقه اشتياقاً كبيراً، فنحن نعده أمام الله أن يبقى الطريق الذي اختاره فينا بعونه تعالى، وأن نمضي فيه بصبر ووفاء لدماء رفاقه الطاهرة، التي صارت لنا عهداً لا يُنسى، وأن نسير على ما سارت عليه روحه الملائكية.

ذلك الشيب…

ذلك الشيب الذي خالط شعره الأسود ولحيته، لم يكن لطول عمره، وإنما كان أثراً لمرارة المسير الذي عاناه، وللأيام التي مضى فيها مثقلاً بما حمل من همٍّ وتعب.

ولم تُمنح تلك المنزلة بلا ثمن. عانى وجاهد، ونفض عن نفسه غبار الزمن، ومضى إلى حيث يستحق، إلى مقام يليق به، على خطى الأنبياء والأولياء والصالحين.

هذا مكانه الحقيقي، وتلك منزلته التي كان وما زال أهلاً لها.

لكن… ماذا عنّا نحن؟

لم نفتح أعيننا جيداً حتى لم نجده. كأننا تأخرنا عن الوصول إليه.

نحتاجه.
نحتاج جزءاً من سموه، من عطائه، من قوته، من علمه، من روحه، ومن ذلك النور الذي كان يحيط به.

نحتاج أن نتعلم منه أكثر، وأن نقتبس من روحه ما يعيننا على مواصلة الطريق.

فأرسل لنا، من حيث مقامك، شيئاً من طمأنينتك وسكينتك وأُنسك. أرسل لنا ما يخفف وحشة الغياب، وما يربّت على قلوبنا حين يشتد علينا الطريق.

لعلنا نحظى بشيء منك… شيء من نورك، شيء من روحك، شيء من ذلك الإنسان الذي لم نعرف قيمته كاملةً إلا بعد أن فقدناه.

فسلام عليك يا حبيبنا، سلام من قلوبٍ لم تنسك، وستبقى تحمل أمانتك ما حيينا.