القواعد الثمان لتحقيق أهدافك في الحياة..!
د. علي المؤمن ||

بلوغ الأهداف في الحياة ليس أمنيةً تتحقق بالرغبات أو المصادفات، بل ثمرة وعي وإرادة وعمل. وهناك ثماني قواعد مترابطة، يتوقف عليها بلوغ الإنسان غاياته الدينية والدنيوية، من بناء أسرة مستقرة إلى إنجاز مشروع علمي أو مهني أو اجتماعي أو سياسي. ونتحدث هنا عن واجب الإنسان وما يقع ضمن اختياره، لا عن التوفيق والتسديد والتقدير الإلهي؛ فالإيمان بهذه الحقائق لا يلغي الأخذ بالأسباب، بل يمنحه معناه:
1- القاعدة الأولى: الطموح:
الطموح هو الرغبة في تجاوز الواقع نحو الأفضل، والطاقة الداخلية التي تخلق في الإنسان الاندفاع والرغبة في التقدم. والإنسان الذي يكتفي بما وصل إليه، لا يكتشف غالباً ما يستطيع بلوغه. فقد يبدأ باحث بكتابة مقالة، ثم يطمح إلى تأليف كتاب، ثم إلى تأسيس مشروع معرفي يستفيد منه الناس. ولا ينبغي أن يضع الإنسان لطموحه سقفاً يتوهم أنه حدّ قدراته؛ فالتقدير الإلهي لا يتعارض مع الطموح، لأن الإنسان لا يعلم النتائج قبل أن يسعى إليها. واجبه أن يبذل أقصى ما يستطيع، لا أن يجعل خوفه من الإخفاق حجة لترك المحاولة.
2- القاعدة الثانية: التفكير والعزم:
ينبغي أن يقترن الطموح بالتفكير في المشروع العام لحياته، ثم في المشاريع الخاصة أو المرحلية في إطار المشروع العام، وصولاً إلى رسم الأهداف بدقة، ثم عقد العزم على البدء بالعمل، لأن العشوائية والارتجال في خوض غمار العمل والمشاريع لا يكون منتجاً ولا يستجيب لحقيقة الطموح. وربما تكون هذه المرحلة هي الأكثر مصيرية؛ لأن الإنسان من خلالها سيجيب عن أسئلة: ماذا يريد؟ وإلى أين يريد أن يصل؟ ومتى؟ وكيف؟
3- القاعدة الثالثة: التوكل على الله والثقة به:
الثقة بالله والتوكل عليه ليست مرتبة أو مرحلة زمنية من مراحل العمل لتحقيق الأهداف في الحياة، وإنما قاعدة ثابتة تبدأ من اللحظة التي يعقد فيها الإنسان النية للقيام بأي عمل. ولا يعني التوكل على الله انتظار النتائج وبلوغ الأهداف دون عمل، بل الاستمداد منه بالتزامن مع أداء الواجب.
4- القاعدة الرابعة: الثقة بالنفس:
الثقة بالنفس ليست غروراً ولا ادعاء امتلاك كل المهارات، وإنما الإيمان بالقدرات التي وهبها الله للإنسان وبإمكانه تنميتها، فالخطيب الذي يتردد في مواجهة الجمهور لا يتغلب على تردده بمجرد ترديد عبارات التشجيع، بل بالتحضير والتدرب والتدرج في المواجهة.
5- القاعدة الخامسة: التخطيط:
إذا كان الطموح يحدد الغاية، فإن التخطيط يحولها إلى أعمال قابلة للتنفيذ. فمن يريد تأليف كتاب، مثلاً، لا يكفي أن يعلن رغبته فيه؛ بل يحدد موضوعه ومصادره وفصوله، ويوزع ساعات البحث والكتابة، ويضع موعداً لمراجعة ما أنجزه. ومن يريد تأسيس مؤسسة يحتاج إلى معرفة الموارد والكفاءات والاحتياجات، لا إلى الاكتفاء بحماسة البداية. ومن يخطط لتعليم أبنائه لا يكتفي بمراقبة مستواهم، بل يخصص وقتاً للحوار معهم، ويعالج أسباب ضعفهم قبل تراكمها. والتخطيط هنا يربط الهدف بقرارات يومية صغيرة، ويجعل مراجعة النتائج جزءاً من العمل نفسه. والخطة الجيدة ليست نصاً مقدساً؛ فإذا تغيرت الظروف، عُدلت الوسائل دون التخلي المتعجل عن الهدف.
6- القاعدة السادسة: الكدح:
الكدح هو العمل المثابر والدؤوب لتنفيذ الخطة. فقد يضع الطالب برنامجاً دراسياً ممتازاً، لكنه لن ينتفع به إذا لم يلتزم بساعات القراءة والمراجعة. وقد يفشل صاحب مشروع في تجربته الأولى، فيراجع أخطاء التسويق والإدارة، ثم يعيد المحاولة بخبرة أكبر. وهنا يظهر الفرق بين الطموح والتفكير والتوكل على الله والثقة بالنفس والتخطيط من جهة، والجدية والمثابرة والصبر والمواصلة والدأب من جهة أخرى. والكدح يستمر حتى حين يتأخر النجاح أو يشعر الإنسان بالإخفاق والفشل. فلا تكون الاستجابة الجدية بترك العمل، بل بمعرفة مواضع التأخير. وهكذا يتحول التعثر إلى درس عملي وفرصة للمواصلة. وليس المطلوب أن يعمل الإنسان بلا راحة، بل أن يجعل المثابرة عادة منتظمة، لا اندفاعة عابرة تنطفئ عند الصعوبات.
7- القاعدة السابعة: الاستقامة:
الاستقامة هي الكابح الأخلاقي الذي يمنع انحراف الوسائل في طريق تحقيق الأهداف. فقد يستطيع تاجر زيادة أرباحه بالغش، أو موظف تسريع ترقيته بالوشاية بزميله، أو سياسي توسيع نفوذه بتضليل الناس. لكن بلوغ الهدف بهذه الوسائل ليس نجاحاً حقيقياً؛ لأنه يقوم على الاعتداء على حقوق الآخرين وخيانة المبادئ. والاستقامة لا تعني ترك المنافسة أو الطموح إلى المواقع المتقدمة، بل تعني أن تبقى الوسائل مشروعة، مهما كانت الغاية مغرية. ومن يرفض رشوة تتيح له صفقة سريعة، قد يخسر ربحاً عاجلاً، لكنه يحفظ ثقة الناس وحقوق الآخرين وفرص نجاحه على المدى البعيد. فلا قيمة لإنجاز يُبنى على خسارة الإنسان لضميره.
8- القاعدة الثامنة: القناعة:
القناعة لا تتعارض مع الطموح والكدح، بل تقنن الطموح وتعطي الكدح محتوى واقعياً. ولا تعني القناعة التوقف عن السعي، بل الرضا الواعي بما تؤول إليه النتائج بعد بذل الجهد. فقد يستعد إنسان سنوات لنيل منصب، ثم لا يحصل عليه؛ فإن كان طموحه بلا قناعة تحولت النتيجة إلى مرارة تشل حياته. أما إذا جمع الطموح بالقناعة، فإنه يراجع تجربته ويستفيد منها، ويواصل طريقه دون أن يجعل إخفاقاً واحداً حكماً على قيمته ومستقبله. وكذلك من حقق نجاحاً كبيراً، تحميه القناعة من الجشع الذي يفسد عليه ثمرة إنجازه. فالطموح يتعلق بما علينا فعله، والقناعة بكيفية استقبال ما يتحقق أو يتعذر.
وهكذا تتكامل القواعد الثمان: الطموح يفتح الأفق ويخلق الاندفاع، والتفكير والعزم يمنحان الطموح وعياً واقعياً، والتوكل على الله يخلق القدرة الغيبية والطمأنينة الداخلية، والثقة بالنفس تمنح الإنسان قوة الاستمرار، والتخطيط ينظم الطريق، والكدح يحول الخطة إلى إنجاز، والاستقامة تحمي الوسائل، والقناعة تحفظ توازنه أمام النتائج. وليس النجاح أن نبلغ كل ما نريد بأي ثمن، بل أن نسعى بجد إلى ما نريد، دون أن نفقد قيمنا أو سلامنا الداخلي؛ فإذا تحقق الهدف شكرنا، وإذا تعذر تعلمنا ومضينا إلى هدف آخر.




