الجمعة - 06 نوفمبر 2026

مجالس حسينية أم ميادين إستعراض؟!

منذ ساعتين
الجمعة - 06 نوفمبر 2026

لقاء الصالح ||

 

 

كانت مجالس العزاء في الماضي عنواناً للتراحم والوفاء، ومواقف صادقة تجسد معاني الإنسانية والنبل. كان الحضور يأتي لمواساة أهل الفقيد ومشاركتهم ألم الفقد، وكانت الكلمة الطيبة والصمت الوقور أبلغ من كل حديث، فيما يفرض صوت القرآن الكريم هيبته وخشوعه على المكان، ويظل إحترام المصاب واجباً لا يحتاج إلى تذكير.
أما اليوم، فقد تبدلت بعض المشاهد، وأصبحت مجالس العزاء في كثير من الأحيان مسرحاً لسلوكيات لا تنسجم مع حرمة الموت ولا مع مشاعر أهل الفقيد. فهناك من ينشغل بهاتفه، أو يلتقط الصور، أو يتبادل الأحاديث الجانبية والضحكات، وكأن المكان مناسبة إجتماعية لا مجلساً للمواساة.
ومن المؤسف أيضاً أن تتحول بعض المجالس إلى مساحة للتفاخر بالعلاقات والمناصب، والتزاحم على المقاعد القريبة من المسؤولين والمشاهير، فيما تحاصر الحمايات بعض الشخصيات وتضيق على بقية المعزين، وكأن حضور المسؤول أهم من مشاعر أصحاب المصاب. حتى واجبات الإستقبال والضيافة باتت أحياناً تتركز على من يتصدر المجلس، بينما يغيب الإهتمام عن الآخرين.
إن مجالس العزاء ليست منصات للإستعراض، ولا فرصة لإثبات الحضور أو إستعراض العلاقات، وليست مكاناً لجمع الصور والتفاخر بها. إنها مساحة إنسانية يفترض أن تتجلى فيها أسمى معاني التعاطف والتضامن، وأن يشعر فيها أهل الفقيد بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة ألم الفقد.
فالموت حق، والحزن وجع لا يعرف عمقه إلا من عاشه، والكلمة الصادقة قد تخفف ألماً، والموقف النبيل قد يترك أثراً لا يُنسى، بينما قد تتحول ضحكة في غير موضعها إلى جرحٍ إضافي في قلبٍ مثقل بالمصاب.
وأخيراً…
إحترام مجالس العزاء ليس مجرد تقليد اجتماعي، بل هو أخلاق ووعي ووفاء للإنسان في أصعب لحظاته. فمن لم يستطع أن يواسي بكلمة صادقة أو موقف نبيل، فليواسي بصمتٍ محترم.
فالعبرة ليست بمن يراك وأنت تحضر، بل بمن يشعر بصدق حضورك… وبأنك جئت لمواساته، لا لتُرى بين الآخرين.