الجمعة - 06 نوفمبر 2026

شاعر لم تنتهِ قصيدته عند آخر بيت بل أمتدّت لتُكتب بدمه “الشهيد علي عبد الحسين رشم الساعدي”..!

منذ 48 دقيقة
الجمعة - 06 نوفمبر 2026

زمزم العمران ||

 

 

 

قال تعالى في كتابه الكريم :(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)

مُجاهد وبطل و شاعر، واسمه علي ! فهل يمكن أن تتخيلوا أي مزيجٍ استثنائي اجتمع في هذا الفتى؟
لم يكن علي مجرد شاب أحب الشعر ولا مجاهداً اكتفى بحمل السلاح، كان حكايةً اجتمع فيها وهج القصيدة وحرارة الميدان، فـصار للكلمة عنده وقع الرصاصة، وللشعر صهيل المعارك، كانت أبياته مشبعةً بروح الشباب و العنفوان، تنبع من حبًّ عميق للعراق و أهله، وتحمل إلى سامعيها رسائل العزّة و الأمل، لم يكن شاعراً فحسب، بل كان أشبه بحمامة بيضاء تحمل رسائل المحبة و السلام، وتُحلّق بها فوق أرضٍ أنهكتها الحروب ،كان عليٌّ برهاناً على أن الشباب العراقي ليس جيلاً غافلاً عن وطنه، ولا طاقةً ضائعةً في متاهات الحياة، بل قد يكون في قلب هذا الجيل شاعرٌ يحمل حلم العراق، ومجاهدٌ يحمل همَّه، وإنسانٌ يرى في الدفاع عن وطنه مسؤوليةً وشرف ما بعده شرف .

وُلد الشهيد علي في بغداد، مدينة الصدر، قطاع (36)، بتاريخ 2/1/1988،تلقى تعليمه الإبتدائي في مدرسة الإنسانية الابتدائية، وأكمل المرحلة المتوسطة في مدرسة قطر، ثم التحق بإعدادية الصناعة ولم يتوقف طموحه عند ذلك، فـدرس كلية الإعلام في جامعة الإمام الكاظم (عليه السلام)، ثم واصل دراسته في قسم هندسة الحاسبات بجامعة الإسراء الأهلية،لكن بين مقاعد الدراسة و صفحات الكتب، كانت هناك موهبة أخرى تكبر بصمت، موهبة الشعر التي لم تكن هوايةً عابرة، بل كانت عالمه الذي يجد فيه صوته وهويته، كتب علي فأجاد، ونبغ في نظم القصائد حتى إن كبار الشعراء تنبّؤوا له بمستقبل أدبي كبير، ورأوا فيه اسماً واعداً سيأخذ مكانته في عالم الشعر.

غير أن عليًّا لم يكن شاعراً فحسب، كان شاباً مؤمناً، يمتلك من البصيرة و العقيدة ما يجعله يعرف وجهته، ومن الغيرة على وطنه ومذهبه ما يدفعه إلى تحويل قناعاته إلى مواقف، فألتحق بصفوف عصائب أهل الحق، وعمل مراسلاً حربياً في جبهات القتال ضد تنظيم داعش، وشارك في معارك التحرير مراسلاً ميدانياً متمرساً، ينقل مشاهد المعركة و يوثق تضحيات المقاتلين، ولعلّ أكثر ما يميّز عليًّا أن علاقته بالميدان لم تكن علاقة عابرة، فقد كان يذهب إلى ساحات المواجهة مرتدياً ملابس الشهادة، حاملاً على يديه تربة الإمام الحسىين (عليه السلام)، وكأنه يستحضر في كل خطوة معنى التضحية و الوفاء، وحين يعود إلى منزله في إجازته، لم يكن يخلع عن روحه ثوب الجهاد، بل يتنقل من ميدان المواجهة إلى ميدان القصيدة، فيكتب أبياتاً تتوهج بالحماسة، وتبعث في نفوس المقاتلين عزيمةً جديدة ،
لقد كان يحمل بندقية الكلمة كما يحمل كاميرته، ويعرف كيف يجعل من القصيدة صوتاً للسواتر، ومن الحرف رايةً ترفرف فوق رؤوس المقاتلين، كان يستحضر ملحمة الحسين في شعره، ويرى في مواجهة الظلم امتاداداً لمعنى كربلاء، فجمع بين القصيدة و الموقف و بين الإيمان و الفعل.

وحين كانت بغداد تستغيث بأبنائها،وتنادي شبابها للوقوف بوجه داعش ،كان عليٌّ يُجيبها بالشعر والموقف فقال :

ما يجـيسون الهـوه المـر بسماچ
ومـا يـمرونـچ ولا حتـى بـحلـم
أمـني يابـغـداد وتـغطي بضواچ
وشدي بيـريـة ونطـاق اعلى النجم
گـبت الكـاظم عليـچ تصـير فـيت
خـوذة مـن چـيلاتـهم مـا تـنثـلم
السـواتر والـحرب تـعرفنه زيـن
طـابعـين اجـدامنه بـخدهن وشـم
عـدنه مثل العـافية الطـگ والرصاص
الـدمـه يصـهل حـافره يخـضر زلـم.

لم تكن هذه الأبيات حروفاً مصفوفة لغرض الطرب أو الاستعراض ، كانت صوتاً لمرحلة وصورةً لجيلٍ قرر ألا يترك بغداد وحيدة في مواجهة الخطر ،كتبها بقلب المقاتل لتصل إلى قلوب المقاتلين وتوقظ في نفوسهم معنى الإنتماء.

لكن المفارقة أن الشاعر الذي كتب لبغداد قصائد النجاة ، والذي حمل في صدره أحلاماً كثيرة ،لم يمهله القدر ليكمل كل ما أراد كتابته ،ففي معركة جرف النصر المعروفة سابقاً بجرف الصخر وفي واحدة من المواجهات الشرسة ، ارتقى علي شهيداً إثر انفجار عبوة ناسفة بتاريخ 2014/11/6 ،فكان رحيله صادماً شيعته المئات وبكته الآلاف ومن بينهم الشهيد القائد الجنرال قاسم سليماني (رضوان الله عليه) غادر علي الميدان ،لكن اسمه بقي حاضراً في ذاكرة احبائه ،وفي قصائده التي لم تفقد وهجها برحيله .

وفي الختام أقول ؛ ياابناء العراق في الخارج والداخل هناك مفارقة ينبغي ألا تمر عليكم مرور الكرام ، كم من وقت اضعناه في التنابز والتخاصم ،وكم من طاقة استنزفناها في معارك الكلام والاتهامات ،ومااسهل أن يرفع الإنسان صوته خلف شاشة ،ومااصعب أن يترجم شعاراته إلى موقف حين يصبح الوطن في خطر ،استمروا في خصوماتكم أن شئتم وتبادلوا الاتهامات والالقاب ،ولكن تذكروا أن في تاريخ هذا البلد شباباً لم يجعلوا من العراق مادة للجدال،بل جعلوا من أعمارهم موقفاً حين احتاج إليهم ،فكان علي واحداً من أولئك الشباب الذين اختاروا أن تكون أفعالهم ابلغ من أقوالهم ،شابا لم يكتفِ بأن يكتب عن الوطن ،بل حمل همه إلى ساحات المواجهة.

ورغم كل القصائد التي كتبها في حب العراق،ظلّ في داخله نداء لم تسكته الكلمات ؛ فكأن الشعر لك يكن كافياً ليعبر عن مقدار انتمائه وكأن الحروف لم تستطع أن تروي عطش روحه إلى الموقف ،فكانت الشهادة صوب عينيه حتى نالها في جرف النصر ،بعد أن كان قد ترك بصمته في ميادين التحرير ومنها آمرلي ،رحل علي لكن بقيت قصائده شاهدة على شاب جمع بين موهبة الشاعر وروح المقاتل وبقيت ابياته تُروى بأن للأرض والعرض شباب قدمت أرواحهم فداء لها .

سلام على علي يوم ولد في بغداد، ويوم حمل العراق في قصائده،ويوم حمل تربة الحسين عليه السلام إلى ساحات المواجهة،ويوم ارتقى شهيداً في جرف النصر.