الجمعة - 06 نوفمبر 2026

موازنة 2027… (6) العدالة والموازنة..!

منذ 41 دقيقة
الجمعة - 06 نوفمبر 2026

د. بلال الخليفة ||

 

 

خامسا: الموازنة بين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية
لا يمكن معالجة اختلال الانفاق في العراق من خلال الدعوة الى تخفيض الرواتب او تقليص الرعاية الاجتماعية بصورة عامة؛ لان هذه الالتزامات ترتبط بمعيشة شرائح واسعة من المجتمع، كما ان جزءا منها يمثل حقوقا قانونية مكتسبة.
لكن الاستدامة المالية تتطلب مراجعة اليات التوظيف والتخصيصات والمنافع الحكومية، والتحقق من وصول الدعم الى مستحقيه، ومعالجة الازدواج الوظيفي والرواتب غير المستحقة، وتحسين توزيع العاملين بين المؤسسات.
كما ينبغي اعادة النظر في سياسة التوسع بالتعيينات الحكومية، خصوصا ان كل تعيين جديد لا يمثل كلفة سنة واحدة، بل ينشئ التزاما ماليا يمتد الى سنوات طويلة، وقد يتبعه استحقاق تقاعدي مستقبلا.
والبديل لا يتمثل في اغلاق باب التوظيف بصورة مطلقة، وانما في بناء قاعدة بيانات دقيقة للقوى العاملة، وتحديد احتياجات المؤسسات، وتوجيه التعيينات الى القطاعات التي تعاني نقصا حقيقيا، مع تشجيع القطاع الخاص على استيعاب الخريجين والباحثين عن العمل.
سادسا: نحو موازنة قائمة على النتائج لا على حجم الانفاق
ان من ابرز الاتجاهات التي ينبغي ان تتبناها الحكومة العراقية الانتقال من الموازنة التقليدية التي تركز على تخصيص الاموال للابواب والبنود، الى موازنة البرامج والاداء التي تربط التمويل بالاهداف والنتائج.
فبدلا من الاكتفاء بالسؤال عن مقدار الاموال التي انفقتها وزارة معينة، ينبغي السؤال عن الخدمات التي قدمتها، والمشاريع التي انجزتها، وعدد المستفيدين، ومستوى التحسن في جودة الخدمة، ومدى تحقيق الاهداف المحددة.
ويتيح هذا النهج تقييم كفاءة الانفاق العام، والكشف عن مواطن الهدر، ومقارنة اداء المؤسسات الحكومية، وتوجيه الموارد الى البرامج الاكثر فاعلية.
وقد اظهرت مناقشات مشروع موازنة 2027 في اللجنة المالية النيابية اهتماما بتطبيق موازنة البرامج والاداء، وبتحديد مؤشرات لقياس النتائج، وهو توجه ايجابي من حيث المبدا، لكنه يحتاج الى تطبيق تدريجي وجاد، ونظم معلومات مالية وادارية دقيقة، وقدرات مؤسسية قادرة على قياس الاداء والتحقق منه.
خاتمة: المطلوب تغيير فلسفة الانفاق لا مجرد زيادة التخصيصات
ان الارقام الاولية لموازنة 2027 تكشف عن استمرار هيمنة النفقات التشغيلية، التي تستحوذ على نحو 78% من اجمالي الانفاق، مقابل 22% للنفقات الاستثمارية. وهذه النسبة تعكس تحديا اقتصاديا يتجاوز سنة مالية واحدة، لانها ترتبط بطبيعة الدولة الريعية وباتساع الالتزامات الحكومية مقارنة بقدرة الاقتصاد الإنتاجي.
ولا يمكن للعراق تحقيق التنويع الاقتصادي من خلال زيادة التخصيصات الاستثمارية شكليا، بل يتطلب الامر تغيير فلسفة الانفاق العام، بحيث تصبح الاولوية للمشاريع التي تزيد الانتاج المحلي، وتقلل الاستيراد، وتوفر فرص العمل، وتحقق ايرادات مستدامة.
ان الموازنة الناجحة ليست التي تنفق اكثر، بل التي تحول كل دينار عام الى منفعة اقتصادية واجتماعية قابلة للقياس.
والسؤال الذي ينبغي ان تطرحه الحكومة عند اعداد موازنة 2027 ليس: كم سننفق؟ وانما: ماذا سننتج بهذه الاموال، وما الاصول التي سنتركها للاجيال القادمة؟