الجمعة - 06 نوفمبر 2026
منذ ساعتين
الجمعة - 06 نوفمبر 2026

د. أمل الأسدي ||

 

 

 

قد يمضي الإنسانُ في حياتِهِ حُرّاً، يتحرَّكُ حيثُ يشاءُ، ويذهبُ حيثُ يريدُ، لكنَّ روحَهُ قد تكونُ حبيسةً، تُثقِلُها همومُ الحياةِ، وتُرهقُها المواقفُ، وتُحاصرُها الذكرياتُ المؤلمةُ، حتى يشعرَ أنَّ شيئاً في داخلِهِ يبحثُ عمَّن يُطلِقُ سراحَهُ!
وهكذا تجدُ نفسَكَ تبحثُ عن فُسحةٍ نفسيَّةٍ وروحيَّةٍ، تُحرِّرُكَ من هذا الأسرِ الخفيِّ، وتعيدُ إليكَ شيئاً من صفائِكَ وسكينتِكَ.
وحينَ تصلُ إلى الحضرةِ العسكريَّةِ المقدَّسةِ، تكتشفُ أنَّكَ أمامَ مكانٍ يعملُ في نفسِكَ على أكثرَ من اتِّجاهٍ، وتتضافرُ فيه مؤثِّراتٌ نفسيَّةٌ وروحيَّةٌ وجماليَّةٌ وتاريخيَّةٌ، لتمنحَكَ شعوراً عميقاً بالراحةِ والطمأنينةِ.

فالمكانُ يُدهشُ العينَ بجمالِ عمارتِهِ، واتِّساعِ ساحاتِهِ، وتناسقِ ألوانِهِ، وزجاجِهِ الملوَّنِ، ونظافتِهِ، ورائحتِهِ، وتفاصيلِهِ المعماريَّةِ الآسرةِ، وكلُّ ذلك يتركُ في النفسِ أثراً يرتبطُ بالرحابةِ والسَّعةِ والتفاؤلِ، وكأنَّ اتِّساعَ المكانِ يمتدُّ إلى داخلِكَ، فيُوسِّعُ تلك المساحاتِ الضيِّقةَ التي حاصرتْها الهمومُ، ويمنحُ روحَكَ شيئاً من حُرِّيَّتِها.

لكنَّ جمالَ المكانِ لا يقفُ عندَ حدودِ العمارةِ والمشهدِ البصريِّ، فثمَّةَ قيمةٌ أخرى أشدُّ تأثيراً، هي قيمةُ المكانِ المرتبطةُ بالشخصيَّاتِ العظيمةِ التي احتضنَها، والتاريخِ الذي شهدَهُ.
فأنتَ حينَ تقفُ عندَ بابِ الضريحِ، وتستحضرُ أنَّ هذا المكانَ كان بيتاً للإمامَينِ عليٍّ الهادي والحسن
العسكري (عليهما السلام)، تدركُ فجأةً عظمةَ الموضعِ الذي تقفُ فيه، والأرضِ التي تسيرُ عليها، والخطواتِ التي تخطوها!

هنا مرَّ الإمامُ، وهنا جلسَ، وهنا صلَّى، وهنا دعا، وهنا استقبلَ الناسَ، واستمعَ إلى همومِهم، وقضى حوائجَهم، وهنا مارسَ دورَهُ في رعايةِ شيعته وتوجيهِهم، والتخطيطِ لمستقبلِهم في ظروفٍ تاريخيَّةٍ بالغةِ التعقيدِ.

وتبدأُ مخيِّلتُكَ باستحضارِ المشاهدِ التاريخيَّةِ، وكيفَ كان الناسُ يقصدونَ الإمامَ علي الهادي (عليه السلام)، وكيفَ امتدَّ أثرُهُ العلميُّ والروحيُّ، وتشكَّلتْ وسائلُ التواصلِ مع شيعتِهِ في ظلِّ الرقابةِ والقيودِ التي فرضتها السلطةُ آنذاك، وصولاً إلى التمهيدِ للمرحلةِ التاريخيَّةِ اللاحقةِ.
إنَّها لحظاتٌ آسرةٌ، تأخذُ النفسَ إلى عوالمَ تعجزُ الكلماتُ عن وصفِها، وتقفُ فيها أمامَ تاريخٍ لا تقرؤُهُ في كتابٍ، بل تشعرُ أنَّكَ تعيشُ في رحابِهِ!

ثمَّ تأتي لحظاتُ الدعاءِ، حينَ تتمـتمُ بهدوءٍ، وتُفضي إلى اللهِ بما في نفسِكَ، وتطلبُ ما تشاءُ برحابةِ نفسٍ تتَّسعُ مع رحابةِ المكانِ، وفي تلكَ اللحظاتِ، تشعرُ أنَّ روحَكَ التي حاصرتْها مشاغلُ الحياةِ، وأرهقتْها المواقفُ، وأثقلتْها الذكرياتُ، قد وجدتْ منفذاً تتنفَّسُ منه، وكأنَّ أبواباً كانتْ موصدةً في داخلِكَ قد بدأتْ تُفتَحُ!
وحينَ تخرجُ، تشعرُ وكأنَّ أحداً قد غسلَ روحَكَ بماءٍ باردٍ عذبٍ، وأزالَ عن بدنِكَ شيئاً من غبارِ الزمنِ، وعن قلبِكَ كثيراً من ذلك الغبارِ الروحيِّ الذي يعلقُ بنا بسببِ المواقفِ المؤلمةِ، والظلمِ، والمشكلاتِ الاجتماعيَّةِ، وما نراهُ ونعيشُهُ ونتأثَّرُ بهِ من معاناةِ الآخرينَ.
تخرجُ وقد خفَّ عنكَ شيءٌ من ثقلِ الحياةِ، وكأنَّكَ تركتَ وراءَكَ بعضَ ما أتعبَ روحَكَ، واستعدتَ شيئاً من صفائِها وطمأنينتِها، ولعلَّ أجملَ ما في هذه التجربةِ أنَّكَ لا تشعرُ أنَّكَ غادرتَ المكانَ فحسبُ، بل تشعرُ أنَّ شيئاً كانَ حبيساً في داخلِكَ قد تحرَّرَ، وأنَّ روحَكَ استعادتْ قدرتَها على التنفُّسِ، والتفاؤلِ، ومواجهةِ الحياةِ من جديدٍ.
ولهذا أرى أنَّ من الحرمانِ الكبيرِ أن نغفلَ عن زيارةِ الحضرةِ العسكريَّةِ المقدَّسةِ، أو نحرمَ شبابَنا وطلبتَنا من هذه التجربةِ الروحيَّةِ والنفسيَّةِ العميقةِ، وهم في أمسِّ الحاجةِ إلى ما يعزِّزُ استقرارَهم النفسيَّ، ويمنحُهم الأملَ والسكينةَ، ويصلُهم بتاريخِهم وهويَّتِهم، ولا سيَّما في هذا العصرِ بما يحملُهُ من ضغوطٍ وتحدِّياتٍ.
إنَّ هذه الزيارةَ ليستْ مجرَّدَ انتقالٍ إلى مكانٍ مقدَّسٍ، بل هي تجربةٌ تتفاعلُ فيها الحواسُّ والمشاعرُ والذاكرةُ والعقيدةُ والتاريخُ، فتمنحُ هذا المكانَ خصوصيَّتَهُ الروحيَّةَ والتاريخيَّةَ المتفرِّدةَ، وتتركُ في النفسِ أثراً عميقاً.
وبصراحةٍ، هنا كلُّ شيءٍ يتكلَّمُ!
كلُّ شيءٍ هنا ينطقُ بشيءٍ!
المكانُ، والزمانُ، والعمارةُ، والألوانُ، والزجاجُ، والهواءُ، والنهرُ الذي يستقبلُكَ، والنظافةُ، والسكينةُ، والوجوهُ، والخطواتُ، والذاكرةُ التاريخيَّةُ الممتدَّةُ في تفاصيلِ المكانِ.
وهكذا تكتشفُ أنَّ الأسرَ ليسَ دائماً قضباناً وأبواباً موصدةً، فقد تكونُ النفسُ أسيرةَ حزنٍ، أو خوفٍ، أو ذكرى، أو ألمٍ لا يراهُ الآخرونَ، وقد يحتاجُ الإنسانُ إلى زيارةٍ واحدةٍ، يقفُ فيها بينَ يدي اللهِ في رحابِ أوليائِهِ، ليشعرَ أنَّ القيودَ التي أثقلتْ روحَهُ قد تراختْ، وأنَّ باباً قد فُتِحَ لهُ نحوَ الطمأنينةِ.
وما أعجبَها من مفارقةٍ! أن تدخلَ بيتَ العسكريِّ مثقلاً بقيودِكَ، وتخرجَ منهُ وقد أُطلِقَ سراحُ روحِكَ!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ